بدموع ممزوجة بالحسرة والألم, شهقت أسماء وتنفست الصعداء,عندما سألتها أن تتحدث لي عن معاناتها في الحياة بشكل عام ,ومعاناتها برحيل زوجها ومرضها بالسرطان بشكل خاص,ومن يسمع قصة أسماء يسرح بعيداً ويحمد الله على نعمة الصحة وهداة البال,وهذا ما تكلمت به عندما سألتها عن حياتها فقالت:
أنا أسماء صادق الشيخ ابراهيم ,عشت طفولة عادية في بيت العائلة كغيري من الأطفال,وعندما كبرت وأصبح عمري (17 عاماً)كانت أنظاري كلها متجهة الى ابن الجيران وهو عصام الشيخ كان يكبرني ب8سنوات,لكنني عشقته وعشقني, ولازلت أنا في الصف التاسع وهو في السنة الرابعة في الجامعة,عندما تقدم لخطبتي رفض أهلي وأهله هذا الطلب, أما أهلي فقد كنت بنظرهم صغيرة ,وأهله أنه غير مؤهل للزواج فهو طالب جامعي لايملك المال ولا السكن ,والأدهى من هذا كله أن بيت أهله مكون من غرفتين صغيرتين مع مطبخ وحمام خارجي,فرفض الجميع للطلب.
لكننا صممنا على موقفنا وكافحنا من أجل أن يوافق الجميع ,فعلاً خطبني وكان عمري (17عاماً)في بداية الخطوبة ,كان مطارداً من قبل الإحتلال ,حيث بدأت الإنتفاضة في 1988واستمرت خطوبتي سنة كاملة, بنفس تاريخ الخطوبة تحدد موعد الزفاف ,وكان زفافنا بدون أغاني أو أهازيج,حيث قام ليلتها المطاردون من قبل الإحتلال برمي الحجارة على الجيش,ولم ندخل تلك الليلة وبقي مطارداً, فكان كلما ذهب الى بيت لينام فيه يبعث لي لكي يراني وأراه,وأطول مدة عشناها معاً في مدينة طولكرم بتنا 15 يوم, بعدها سُجن عصام بغرامة مالية 2000 شيقل ,بحجة القاء الحجارة على الجيش,كنت حاملاً بطفلتي أسيل التي هي متزوجة اليوم, وأذكر أيامها أننا بحثنا عنه في جميع السجون لفترة طويلة حتى وجدناه في سجن (مجدو)الموجود شمال مدينة جنين,لكنهم منعونا من زيارته, ثم ولدت أسيل وهو في السجن لمدة 19 شهر,وتم الإفراج عنه,لكنه بقي مطارد وجاءت الإنتفاضة الثانية سنة 2000,ولدت طفلي الثاني أحمد ,وقام زوجي بفتح دكان صغير نسترزق منه وكان عضواً في مجلس الآباء في مدرسة الذكور,وبعدها رزقنا بطفلنا الثالث محمد, ومضت الأيام بعد ولادة محمد ب3 سنوات كنت حاملاً بالشهر الثامن.
حيث ذهب عصام قبل استشهاده بيوم الى مدينة طولكرم ليشتري ملابس جديدة ليلبسها ليذهب بها لتفتيش قاعات التوجيهي كان يوم الإثنين الموافق 9/6/2003 ,وفي نفس اليوم ذهب لزيارة بيوت 3شهداء من معارفنا وسأل عنهم وسلم عليهم.
أمّا يوم استشهاده فلا أنسى ذلك اليوم حيث كانت الساعة 8صباحاً ,أصابه صداع شديد وأحضر معه حبة ليمون لأعصرها له ,وطلب مني تحضير الأكل ,فأكل وشرب عصير الليمون ,وطلب شهادات الجامعة فسألته لماذا تريدها؟ فأجاب ,لأقدم على وظيفة ,فضحكت وقلت له "لو منك ببسط فيهم باب الجامع " أخذها وذهب الى بيت صديقه, كانت أسيل في ذلك الوقت قد أنهت الصف السادس ,ولم تأخذ شهادتها فطلبت مني أن أذهب لإحضار علاماتها لتطمئن على مستواها من مربية صفها وهي جارة بعيدة عنا ,فأصرت على ذهابي معها ,وتوجهت معها عأساس أن أذهب لفترة قصيرة وأعود ,وأثناء وجودي عند الجارة, بينما كنت أتناول البطيخ سمعنا اطلاق نار في البلد ,عندها صرخت بصوت عالي هذا عصام,ثم ركضت على الطابق الثاني من بيت الجارة وفتحت شباك الشرفة ,نظرت واذا بسيارة بيضاء حيث كانت متجهة الى المكان الموجود فيه عصام ,وكانت هذه السيارة قوات خاصة من جيش الإحتلال.
بدأت بالإتصال على عصام ولم يرد عندها بدأ يراودني الخوف والقلق ولم أستطع الجلوس فاستئذنت للرجوع الى البيت ,وفعلاً مسكت بأطفالي ومشيت قاصدة البيت ,لكن الجيش منعوني من الوصول اليه ,اذا بالجارة تطلب مني الدخول الى بيتها حتى يهدأ الحال,أما أنا قلقة جداً ولم أعد أركز بشيء إلا الإلتصاق بالشباك ,والنظر الى الخارج لعل وعسى أن يقول أحدهم خبر يريحني, ويطمئنني على زوجي, لكنني عندما نظرت الى الشارع اذا بالجيش يحمل أحدهم على حمّالة وكان كل احساسي أن المحمول هو عصام ,فانتابني خوف شديد ولم أنتبه أن ابني نام عند الجيران ونسيته.
جاءت سيارة الإسعاف ووضعوا الحمّالة بداخلها ,وشاب مصاب برجله لم أعرفه, ثم انسحب الجيش, خرجت من بيت الجيران متجهة الى المكان الذي كان متواجد فيه عصام لأسال عنه, وفي الطريق كثُر الناس ليعرفو ماذا فعل الجيش فسألتهم عن عصام, أجابوني أنه مصاب فقط وأخذته الإسعاف, حينها عُدتُ الى بيتنا ووجدته مليئاً بالناس ,كانوا قد وصلهم خبر استشهاده, لكن أحداً لم يخبرني ,إلا عندما رن جرس الهاتف فرد عليه أخي ,سألته من المتصل فأجاب أنه عصام سيتصل بك لاحقاً, وأخذ يحضنني ,وقتها تأكدت أن عصام استشهد.
غبت عن الوعي ودخلت في غيبوبة الى اليوم الثاني ,ولم أفق منها إلا الساعة الثانية ليلاً ,أخبرتني حماتي أن عصام قد استشهد وأخذت تهدأني وتطلب مني أن أصبر.
عند الساعة العاشرة من صبيحة اليوم الثاني أحضروا جثته ,فقلت " اللهم أجرني في مصيبتي هذه واخلفني بأحسن منها" وقبل أن يدفنوه طلبت أن أراه لأودعه, نظرت اليه فلم أجد ولا نقطة دم على جسمه إلا رصاصة صغيرة خدشت بطنه تكاد لا ترى لقد كانت من الرصاص المسمى (بالدمدم) وملابسه نظيفة على حالها, بعد أن دفنوه بدأت معاناتي من يومها,حيث أن ابني محمد كان متعلقاً بوالده لدرجة أنه ظل يعاني ويصرخ يريد الذهاب الى القبر ويجبرنا على أخذه لقبر أبيه وهناك يستمر بنبش التراب بيده ويقول اخرج يا أبي ,وبقي على هذا الحال سنة كاملة.
بعد حوالي شهرين ولدت حياة أسميتها حياة ليرتبط اسمها بإسم والدها ونناديها (حياة عصام) بعد ولادتي بأسبوع عاد الجيش لتفتيش بيتنا مرة ثانية ,سألوا عن سلاح وسألوني كونه من الجهاد الإسلامي أم لا, ومن يومها عشت أيام الأرملة ،وهي أيام سوداء فالمجتمع لا يرحم الأرملة اذا جلست بحساب، واذا تكلمت بحساب ,وان خرجت بحساب ,فالتزمت البيت6 سنوات لا أخرج إلا للضرورة القصوى وهذه الفترة لا أجد من يقف الى جانبي ,فقط أول وهلة كان سندي وظهري أنا ومن ثم أبنائي عندما كبروا ,حيث أنهم من الأبناء المتفوقين والناجحين في دراستهم ,كنت ما زلت أعيش في بيت العائلة وغير المنفصلة عنهم ,حتى تزوج عم الأولاد, لحظتها طلبت أن أستقل وحدي ,وفعلاً عشت أنا وأولادي في بيت واحد لا معيل لنا إلا أنفسنا ورب العالمين , كان يصلني 900شيقل في الشهر .
رحلة مرضي
بدأت بعد زواج ابنتي ، بدأتُ أشعر بعدم تناول الطعام وضعف في جسمي ،وعدم قدرتي على البقاء في البيت ،وإهمالي به ،ثم ينتابني بكاء شديد ، مجرد أن يقول لي شخص كيف حالك، استمر ذلك لمدة 6 شهور خلالها أذهب الى عدة أطباء فيقولون لي لا مرض عندي ،ولا أتناول الدواء لأنه دون جدوى.
ثم لجأت أختي الى الشيوخ لمعالجتي على أنها حسد ،الى أن اهتديت الى شيخ جليل لا يعرف إلّا القرآن وذكر الله ،وبدأت بالتحسن، وتناول الطعام والرجوع الى البيت والإهتمام بأولادي.
بعدها بِ 3 شهور،في احدى الأيام ذهبت لآخذ الحمام،إذ بكتلة قاسية على صدري،تهيأ لي أنه سرطان الثدي ،قلقت وتغيرت نفسيتي ،وذهبت الى أختي وشرحت لها الوضع ،قالت لي بأن أذهب الى الطبيب،فأخبرني أنّه ورم عادي ،علماً بأنّي أرضعت أولادي كلّ واحد 3 سنوات.
فأشار عليّ الطبيب أن أذهب الى مستشفى الرازي ،لعمل الفحوصات اللازمة دون أن يعلم أحد،فظهرت الكتلة أو الورم ،فنصحوني أن اتعالج،ثمّ تناولت الهاتف وأخبرت أخوتي بالقصة ،فقال لي أخي "لا تتحركي أنا
جاي عندك " ، وأخذني عند دكتور يُدعى جعفر عزّام ،في مستشفى الأمل وقال أنّ عمليتي بسيطة جداً تستغرق فقط نصف ساعة ، عودي غداً وإنتِ صائمة حتى نستكمل التحاليل ومن ثمّ العملية ، وخلال ساعة تكونين في البيت بين أولادك بصحة جيدة،وحجز أخي للعملية ودفع ما مقداره 50 شيقل تسجيلاً للعملية، ثمّ توجهنا الى البيت ، وفي الطريق قال أخي "احنا ما بدنا نستريح في العملية بدّي أتصل على الدكتور بسام وأشاوره في الأمر"، ،ذهبنا الى طولكرم واستشرنا دكتوراً مختصاً،ونصحنا أن لا نعمل العملية إلّا بعد أخذ خزعة ،وأن لا نغامر لأنّه اذا كان السرطان خبيث عند العملية سوف ينتشر بجميع جسمي.
وفي صبيحة اليوم الثاني ذهبنا لعمل خزعة في مركز المدلاب،عند الإنتهاء أخبروني أنّ النتيجة تظهر بعد 10 أيّام ،وكان أوّل من عرف بالنتيجة ابني أحمد ،أنّ كتلة خبيثة قد سكنت جسدي ،وأخبرهم بها،وبكو كثيراً ،عندها تحلّيت بالصبر وفوّضتُ أمري لربّ العالمين ،قٌلت"الربّ واحد والموت واحد ،والي كاتبوا ربّنا رح نشوفه".
توجّهنا في اليوم التالي أنا وأخي وابني أحمد للدكتور يوسف الحوراني المختص بالسرطان،لعمل التحاليل بكل ثقة دون تردد ,أجريتُ 15 تحليل وكانت جميعها ايجابية ,ثم حولني لعمل صورة طبقية ,وأعطاني زجاجة ماء وقال لي اشربيها وصومي عن الأكل من الساعة 7 صباحاً .
ذهبت لمستشفى الرازي في جنين وكان ذلك أصعب يوم ,كان فيه الإنتظار طويلاً لأعرف بالنتيجة فقرر الحوراني لي عملية في مستشفى جنين,قبلت لكن بشرط أن تجرى في الأردن أو في النجاح, أخبرني أنه صعب جداً أن تتم العملية هناك ,فقام ابني بالإتصال على معارفه وأصدقائه لتقرر لي في مستشفى النجاح ,وفعلاً أجريتها وبدأت بأخذ العلاج الكيماوي لتصغير الكتلة , وبعدها حولوني الى رام الله للدكتور حسام سلامة لعمل صورة مسح نووي ,وبقيت على أعصابي في انتظار النتيجة, وطبيعة الفحص كانت نصف ساعة تحت الجهاز من دون حركة, بدأت بظهورأعراض الإلتهاب وارتفاع درجة حرارتي كانت تستمر لمدة 10 أيام, فكانت النتيجة أن الورم غيرمنتشر بجميع جسمي .
مكثت بعد العملية 14 يوم في المستشفى ثم ذهبت الى البيت وبدأت بأخذ جلسات اشعاعية في مستشفى المقاصد في القدس ,وأديت مناسك الحج كما يجب, وسأستمر في الجلسات العلاجية وأخذ العلاج لأمارس حياتي الطبيعية.
ختمت حديثها قائلة "الحمد لله رحلة صعبة جداً لكنها علمتني الكثير وقربتني لله أكثر فتضاعفت عبادتي لله وصلاتي , وأنا الآن بين أولادي وصحتي في غاية التحسن ,وما في نقمة إلا وقبالها نعمة,أولادي يقفون الى جانبي في السراء والضراء ويساندوني ويشعرون بألمي وأصبحوا هم عزوتي, وأحمد ابني الكبير قبل أن يتخرج بفصل قدم لوظيفة في السلطة وتم قبوله ليساعدني في مصاريف الحياة وأصبح المعيل لنا ,هذه هي رحلة عمري مع زوجي رحمه الله وأولادي".