mildin og amning mildin creme mildin virker ikke"> الحلقة الثالثة من حلقات الأسير بسام السايح بقلم الأسير عدنان حمارشه - أصداء mildin og amning mildin creme mildin virker ikke">
الرئيسية / الأخبار / أسرى الحرية
الحلقة الثالثة من حلقات الأسير بسام السايح بقلم الأسير عدنان حمارشه
تاريخ النشر: الأحد 13/11/2016 19:33
الحلقة الثالثة من حلقات الأسير بسام السايح بقلم  الأسير عدنان حمارشه
الحلقة الثالثة من حلقات الأسير بسام السايح بقلم الأسير عدنان حمارشه

 كان الجو في الخارج غائماً... ويبدو أن نسمة الهواء الباردة تخللت ملابس بسام ولمست جلده الرقيق، إذ أن هذا الجسد النحيل الذي اختفى تحت كافة الملابس التي يبدو أنها لم تنجح في وقايته من تلك النسمة التي تجاوزت كل طبقات الملابس وجعلته يتكوم بطريقة لفتت انتباهي لتلك الفتحة الصغيرة في وسط الباب الفولاذي وكانت السبب في ارتجافة بسام... ناديت أحد المجاهدين وطلبت منه أن يحاول إغلاق الفتحة.

في هذه الأثناء كان بسام يتعرف على المجاهدين الذين لم يسبق له أن رآهم ويبتسم ويضحك وصوته حاد بشكل مميز حتى أني اقتربت من شيخنا جمال الطويل والذي تعود أن يجلس بالقرب مني ودماثة خلقه المعروفة وابتسامته الهادئة حتى ليظن من يراه أن هذا الرجل أحدنا، وليس قائدنا قلت له هامسا: يبدو أن بسام لم يعد مريضا"
رد قائلا، وابتسامة أل تعلو وجهه الذي تبدو عليه السنوات الطويلة التي قضاها في السجن: الحمد لله، هكذا يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، وحتى لو كان مريضا فإن الله قد جدد له حياته وزرع الأمل في نفسه كما ترى، ولم أردأن أقاطعه إذ أن هذا الرجل عندما يتكلم أشعر بسكينة في نفسي ولكن سكت الشيخ قليلا ثم قال: طيب خلينا نحكي مع بسام.
ابتسمت وقلت له: حسنا يا شيخي عادتك ولن تغيرها، تحب السكوت وتفضله على الكلام، ابتسم مرة أخرى وفجأة أمسك بيدي وشد عليها، ولم أكن بحاجة أن يقول لي شيئا فقد فهمت كل شيء الشيخ يستحي من كل شيء وباللذات إذا أثنى عليه أحدهم.
ولكن بسام كان قد انتبه إلى حركة الشيخ ويبدو أنه سمعنا نتحادث فالغرفة أصغر من الهمس.
ضحك وهو ينظر إلي وانسابت من فمه كلمات لا يقولها إلا من كان يحس حقا بمعية الله
هادي باللهجة النابلسية والتي تعني هذه يا سيدي بركات الصالحين ورضى الله ورضى أبي وأمي ورضا ام أيوب "زوجته" والله ما كنت لحظتها أرى صالحا غيره.
ابتسم أبو عبد الله والشيخ جمال الطويل وقد كان يعرف كيف يحيل الجو إلى جو من الفرح والتفاؤل والأمل بالله، وقال: كل القصة يا أبو أيوب إنك بدك تقول إنها إم أيوب السبب بأنك استطعت التغلب على المرض، أجاب بسام بسرعة وابتسامة تصاحب كلماته: إحم إحم طبعا سيدي.
وضجت الغرفة بالضحك حتى يخيل لمن يسمع ويرى سكان هذه الغرفة أن هؤلاء يسكنون في قصر ضيق تمتلؤ أرجاؤه بالحرية وليس في غرفة تضيق مساحتها حتى لتكاد تختنق الأنفاس.
أعلن أحد الأخوة أن الطعام جاهز ووضع الأكل أمامنا وبدأت من لحظتها اختنق وظهر بسام آخر، بسام الذي تجمعت عليه كل أمراض الأرض.
بدأنا نأكل وأمسك بسام وأنا أراقبه من طرف خفي، بقطعة خبز صغيرة لا تكفي لقمة لطفل صغير وبدأ يقطعها حتى أمسك بقطعة بحجم طرف الإبهام، غمسها بصحن فيه حمص ووضعها في فمه وبدأ يمضغها.
أنهينا الطعام وما زالت اللقمة في فم بسام يحاول ابتلاعها ثم تجشأ قليلا وقال الحمد لله.
قلت: لكنك لم تأكل.
ابتسم ورد قائلا: أحس أن معدتي امتلأت شد يده إلى ساعده وقال ضاحكا: إنظر لقد أصبحت عضلاتي كبيرة ومد يده بحركة تشبه حركة رافعي الأثقال وكأنه يطلب أن أفحص عضلاته وبالفعل مددت يدي ووضعتها هلى عضلة بسام
يااااه ... أين عضلاتك يا بسام؟ بل أين يدك! أين جلدك وعظمك يا بسام؟!
لم أجد شيئا، فقط ملابس ذات طبقات تراكمت على شيء يشبه اليد وما هو بيد.
واختنقت وأحسست أن عيوني ستخونني وستنهمر الدموع، فهذا بسام الذي يبتسم يبدو أنه يصارع الموت واختفت الابتسامة عن وجهي.
فأنا أستطيع أن أحمل ألمي لكن ليس ألم الأحياء أيضا.
يا إلهي... كم بكى قلبي لحظتها، أحس بسام الذي تعود قراءة حركات الجسد وإيماءاته بما يحدق لي، وبسرعة مد يده إلى قلبي قائلا وابتسامته تعلو وجنتيه: أتذكر الأنشودة التي رددناها سويا منذ زمن...
لا يا أخيا فلا تقلها قد خبا صوت النضال فصراعنا كر وفر والوغى دوما سجال.
أي كر وفر هذا يا بسام؟ وأنا على كرسي وأنت... لا يوجد شيء في جسدك إلا وقد أصيب بشيء من مرض!
هكذا فكرت، فلم أعد لحظتها أفكر إلا ببسام وكيف سيموت في أي لحظة ولن أستطيع له شيئا.
نعم ضعفت أمام هذا الشبح الذي لم يعد سوى طيفا في جسد وأردت أن أفعل أي شيء من أجله.
ثم بدأت مرحلة أخرى بعد العشاء فقد جاء موعد الدواء.
تناول بسام كيسا صغيرا وفتحه فإذا بعشرات الأنواع من الأدوية تتناثر على السرير الذي يجلس عليه ثم بدأ يشرح لي عن كل نوع قائلا: بلاش نخربش بالأدوية مع بعضنا بنروح فيها وضحك بسام من قلبه.
والله أحيانا أجلس بيني وبين نفسي وأحاول أن أنسى الكثير من الظواهر في السجن، لكن لا أجد تفسيرا منطقيا ومنها قدرة بسام على الصمود، وليس أي صمود بل الة صمود وحتى الموت ولا يرف له جفن وهو يتحدث عن حالته الصحية
وشرع يشرح: بعد التحقيق حاولوا مرارا أن يعطوني جرعات الكيماوي كالعادة بالإبرة من خلال الشرايين لكن اكتشفوا أن شراييني "نشفت" ولم يعد باستطاعته المحلول الكيماوي المرور من خلالها وحتى الإبرة لم يستطيعوا إدخالها في أحد الشيين لأن الشرايين قد ضمرت لدرجة كبيرة بحيث أنهم أوجدوا طريقة أخرى لإعطائي الجرعات، الطريقة عبارة عن حبوب عادية.
أمسك بأحد الأنواع التي ملأت السرير وقال: هذه حبوب الكيماوي - شخصيا لأول مرة أعرف أن الكيماوي يمكن أن يعالج بالحبوب_ حبة صغيرة تشبه الأكمول لونها يميل إلى الزهري الغامق ولم أظن للحظة ما بقد يجري بعد أن يأخذ الحبة، فالعادة أن يأخذ الشخص الدواء ليشفي فإذا كان يؤلمك رأسك وأخذت حبة دواء فإنك تشفى وتستطيع أن تنسى وجع رأسك الذي كان يؤلمك من عشر دقائق.
ومن ثم وضع الأدوية جانبا وبدأت سهرتنا ثم طلب منا أمير الغرفة أن نعطي بسام الفرصة لينام بسبب تعب هو بالفعل خلال أقل من نصف ساعة توجه كل شخص إلى سريره الحديدي الذي يملؤه الصدأ.
الشرطي ينسل من باب غرفتنا كالإبرة في الماء بلا صوت وتوقد جزء من خياله الذي انطبع على أرض الغرفة عندما مر أمام الكشاف في المقابل لغرفتنا وكأن جزء الخيال من جسده شيء صغير يتحرك على أرض الغرفة التي تنوح بالظلام، سوى تلك البقعة الصغيرة من الضوء الذي يقع على أرضية الغرفة من الكشاف المقابل.
ثم صوت المطر الذي لا يشبه المطر، فهناك يقع المطر على عشب أخضر كأنه عروس مخملية الجسد على أرض القصر، أما هنا... فقد كانت حبات المطر تحارب طبقات من الحديد والفولاذ الذي يتربع سماء الساحة وصوته لم يعد يشبه صوت المطر بل كأنه فارس مدجج بالحديد من القرن السادس عشر يقاتل العنقاء لعله ينتصر.
هكذا كانت حبات المطر تنزل على أرض الساحة التي نراها من خلال الفتحة الصغيرة في الباب، كانت تنزل منهمكة من اثر القتال في سماء الساحة فكأنها لم تعد تشبه المطر، فتنساب على الأرض وتتجمع كأنها دموع عجوز ريفية تبكي أغنامها التي ماتت بسبب غزو لم تكن تظن أنه سيحدث هذا العام.
ولا شيء يحدث صوتا في الغرفة سوى هذه الجيبات من المطر وبين الحين والآخر سعال شاب ينام فوقي، فقد تملكه زكام منذ يومين ولم تنفعه حبة الأكامول الذي يعطيها إياه الممرض الذي يمر يويا على مئة وعشرين أسيرا خلال بضع دقائق بائسة فهو لا يعرف من الطب سوى ما يمكن لعجوز تسعيني أن يعرف عن طائر الفينيق.
مر الوقت ببطء، فهذا القادم الجديد يحمل رائحة المستشفى تتخلل ملابسه وحبات الدواء التي رأيناه يبتلع إحداها مخيفة جدا، فليس من السهل أن ترى أحدا يأخذ حبة تعرف أنها مادة كيماوية تؤخذ لعلاج السرطان.
هكذا فقد تبلد إحساس الأسرى في الغرفة والتفت الأجساد بأغطية قاتمة اللون كأنها تنذرك بالموت، كلما لمست جسدك ولم يعد يظهر من أجسادهم سوى تلك العيون البراقة التي لم تنم وكأنها تنتظر شيئا هذه الليلة.
كأن الإحساس الذي تبلد يعلم يقينا ما سيحدث، فتبلد قبل أن تغرق الدموع قلوبا عادة ما تكون أصلب من الفولاذ، إلا الآن فما ينفع الفولاذ إذا ملأت الآه أقطار السماولت والأرض.
حتى اللحظة، كان بسام ينام كطفل صغير رضع من صدر أمه الدافئ ثم نام شبعان، آمنا بحضن أمه، لكن هيهات أن تسمع حبة الدواء لبسام أن ينام حتى الصباح.
كنت قد بدأت أشعر بأمن إذ مرت ساعة من الهدوء ولم يحدث شيء غريب وبسام ينام أمامي والضوء الضعيف الذي يمر من فتحة الباب يظهر جزء من وجهه الذي يبدو عليه الإسترخاء بل والسعادة أيضا ... كأنه يبتسم.
فاسترخت عضلاتي وغالبني النعاس وأغمضت عيناي واستسلمت لنوم عميق، بعد أن أرهقتني أعصابي المشدودة خلال الساعة الأخيرة.
مضى الليل ولا أدري كم مضى منه عندما تنبهت حواسي على صوت أحدهم يتأوه فصحوت وكأني لم أنم ونظرت حيث الصوت المخيف وكان من الجهة التي ينام بها بسام، لكن بسام كان يبدو كأنه يغط في نوم عميق واستمر الصوت كأن أحدهم يتغرغر وصوت الماء يتردد في حلقه مع خروج الهواء من رئتيه، جلست في البرش ونظرت حولي كان معظم الأسرى قد انتبهوا إلى الصوت.
لم نعرف ماذا نفعل، فقط نظرنا إلى السرير حيث كانت أصوات تتداخل ببعضها وكلها تخرج من جوف هيكل عظمي تجمع عليه بعض اللحم وكساه جلد رقيق.
تحرك بسام قليلا وسعل سعلة تقطع القلب حزنا، كأن السعال يأتي من باطن الأرض، هناك... حيث أعمق بنقطة تبعد عن سمع الإنسان وبصره، ثم وضع يده على صدره وسعل مرة أخرى، هذه المرة خرج منه صوت مخيف كأنه أحد العمالقة الذين عاشوا قبل ملايين السنين، صوت غليظ وعميق لا تصدق أنه قد يخرج من هذا الهيكل.
اقترب أحدهم من بسام، لمسه بحنان لكن ما أن لمست يد الشاب يد بسام حتى صرخ بسام صرخة مدوية جعلت أصوات حبات المطر تختفي مع أن الدنيا كانت تمطر بغزارة وسكت نباح كلاب الحراسة التي تحيط بالسجن خلف السور الذي يرتفع حولنا أكثر من تسعة أمتار.
حتى صوت خطوات الشرطي التي كانت قبل لحظة اختفت فجأة.
فقط صوت الألم الذي اخترق حزام الأمان في قلب كل أسير في الغرفة، هذا الألم سرى في عروقنا جميعا وكأن حبة الكيماوي التي أخذها بسام قبل النوم كانت تتصل بكل شريان في الغرفة، وتوقفت الدماء عن السير في مجراها وكأن النهاية كانت هنا.
همس بسام قائلا: أبو عمر... إذا بموت الآن سأكون قد انتصرت ولم أتبين الإبتسامة على وجهه فقد كانت الدنيا مظلمة إلا من ذاك الشعاع الصغير الذي ما زال يخترق صمت الظلام بلا خجل ويقع على أرض الغرفة محاولا أن يكشف الألم بسام بكل صفاقة، إلا أني أحسست بابتسامته خلال الجمل التي نطق بها.
وساد صمت وكأن شبح الموت قد اقترب منا أكثر وكأن الأجساد الموجودة باتت تخاف أن تتنفس مخافة أن يكتشف الموت أنها ما زالت حية.
وتجول الصمت بعد كلمات بسام إلى قشعريرة سرت في أجسادنا جميعا، وبكيت وبكى الجميع ونسي أحدهم صرخة بسام وسببها فوضع يده على جبهة بسام وقبل أن ترمش العين وإذ بالصرخة تدوي مرة أخرى وهذه المرة كانت أشد وأقوى فقد كانت حبة الكيماوي التي يأخذها بسام يوميا أشد وطأة من حقنة الكيماوي التي يأخذها الشخص شهريا أو كل شهرين وهكذا كانت الحبة اليومية تفعل وما زالت مع بسام، كأنها سموم تسري في الجسد ولا تترك إنشا واحدا إلا وتغزوه بتلك الآلام الرهيبة.
وحاولت يد بسام أن يسحب الحرام فوق جسده ، سألته: بردان؟ 
قال نعم، إني أموت بردا
أعطيت شابا وقف بالقرب من بسام غطاء وما أن وضعه على بسام حتى عاد الصراخ مرة أخرى...
يا إلهي لم أعرف ماذا أفعل، فقط شيئا وحيدا استطعت أن أفعله، البكاء... بكيت حتى الفجر وصرخ بسام حتى الفجر.
وهكذا يتابع الليل والنهار وعلى بسام.. آلام لا تنتهي وصراخ يصم الآذان وهو يتردد ليس بين جدران الغرفة فقط بل كأنه أسد جريح، زئيره يخترق الأجسام في الغابة، وحتى يأتي طعم الحرية، ذاك السحر الحلال الذي يسكر بنشوته كل من حاصره ظلم السجان وقهر الزنزانة سيبقى طعم حبة الكيماوي في فم بسام وستبقى صرخاته تردد: لن أموت صامتا... بل سأموت مقاتلا".

 
تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017