الرئيسية / ثقافة وأدب
رواية «كنديد» لفولتير: هل العالم على أفضل ما يكون؟
تاريخ النشر: الخميس 20/12/2018 14:01
رواية «كنديد» لفولتير: هل العالم على أفضل ما يكون؟
رواية «كنديد» لفولتير: هل العالم على أفضل ما يكون؟

نالت رواية «كنديد» أو التفاؤل للكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير (1694- 1778) شهرة واسعة بوصفها أحد أهم الأعمال الأدبية تأثيراً في الثقافة الغربية، حيث تطرح جملة من الأسئلة التي لا يمكن للإنسان أن يتوقف عن البحث فيها، ومنها معنى الحياة، ووجود الخير والشر… باعتبارها جدليات شغلت العقل البشري الذي تذبذب بين نزعة تفاؤلية ترى بأن كل ما في الحياة مصدره الخير، ونزعة أخرى ترى بأن العالم محكوم بالشر.

جدلية النص
هناك الكثير من القضايا التي ينبغي التنبه إليها في هذه الرواية، كونها تنقلنا إلى مستوى جديد من الوظيفة التي يمكن للسّرد أن يضطلع بها في تحقيق الوعي الإدراكي لسلسلة من السياقات والأحداث، التي تحتاج إلى التأمل والتبصر. فعلى الرغم من أن الرواية تبدو في صيغتها أقرب إلى تبني النموذج الفكري التأملي، حيث إن المتخيل السردي والاشتغال على النماذج الفنية على مستوى التشكيل الخطابي يبدو قليل النزوع، بغية تأسيس متعة سردية شديدة للوهلة الأولى، غير أن النص مع ذلك لا يعدم نوعاً من أنواع المتعة القائمة على ملاحقة حكاية بطل الرواية « كنديد» ضمن سياق فلسفي، يمزج بين السخرية والألم؛ ولهذا تبدو الرواية في أحد جوانبها شديدة الاتصال بالعقل، ولكنها من جهة أخرى تنقل لنا فيضاً من الشّعور المقرون بالتأمل العميق للأحوال التي أراد فولتير أن يكتب عنها، ويسعى إلى تجسيدها دون أن يتجاوز على اشتراطات متعة المتخيل.

تعتمد الرواية في بنائها على حبكة حكائية بسيطة قوامها رحلة «كنديد» في هذا العالم، وما يواجهه من أحداث ومصادفات ضمن صيغ الكتابة الهجائية للقيم التي يرتكن إليها العالم في تلك الفترة من التاريخ. إن ما دفع فولتير إلى إنشاء هذا العمل يتحدد بالواقع الذي ينتمي إليه في مستوى تاريخي معين، حيث تسود الكراهيات الدينية، والحروب، والفظائع التي ينتجها البشر، بما في ذلك الانحطاط القيمي، فهذا الفيلسوف نظر إلى عمله بوصفه شكلاً من أشكال نقد الانحراف عما ينبغي أن يكون عليه العالم من مثالية، أو كما يتخيل عقلياً في ما يتصل بالإنسان الذي ينبغي أن يمتلك قدرا من الإنسانية في هذا الكون.

أسئلة الخير والشر
كان الفتى «كنديد» يؤمن بمقولة – أستاذه في القصر الفيلسوف «بنغلون» – بأن كل شيء في هذا العالم يسير على أفضل ما يكون بما في ذلك الشّر الذي يصيبنا… فله فوائد، أو كما كان يقول «لا يوجد معلول بلا علة» غير أن عالم كنديد سرعان ما يتهاوى حين يتبادل قبلة بريئة مع الجميلة «كونيغوند» – ابنة الوصي عليه – ما يتسبب في طرده من القصر أو (الجنة) حسب الإسقاط الديني؛ خروج آدم من الجنة، ومن هنا تبدأ رحلة كنديد خارج القصر الذي يتعرض بعد فترة وجيزة إلى هجوم من البلغار، فيدمرونه، ويقتلون البارون وزوجته.
إن رحلة «كنديد» في تكوينها السّردي تأتي نمطاً وظيفياً ترغب في أن تنشئ في العالم وأحداثه كي يكون تمثيلاً لطبائع البشر، وفيها يواجه التعذيب والمحن، ينتقل من مكان إلى مكان، ومن قارة إلى قارة، فيصبح قائداً ومتسولاً، ويهدد بأن يُؤكل من قبل بعض القبائل في أمريكا اللاتينية، ويتعرض إلى التعذيب الجسدي، والإهانة، كما يصبح قاتلاً، ويشهد موت الكثيرين، في حين ينال كنوزاً، غير أنه يُسرق، ويُنهب، كما تتعرض معشوقته للاغتصاب، ويشنق أستاذه ـ كما يظهر لنا ـ وغير ذلك الكثير… وفي كل مــــرة يتأمل «كنــــديد» الأحداث متسائلاً، هل حقيقة أن الأمور تسير على أفضل ما يكون؟ وهكذا نلمح تذبذباً بين التفاؤل أو التشــاؤم في كل حوار وفعل.

نقد النزعة المثالية
ينطوي كنديد في تكوينه الشّخصي ودلالته العلمية على إحالات تتصل بالطيبة التي لا تصل إلى حد السذاجة، فهو أقرب إلى الشخص السوي الذي ينبغي أن يكون عليه أي إنسان طبيعي متوازن، فهو ليس غبياً، ومع ذلك فإن منظوره إلى الأشياء يبدو مثالياً، ولكنه مع ذلك عاجر عن إدراك كُنه الأشياء وحقيقتها، وهذا ما يتصل بالرغبة في نقد تلك النظرية الفلسفية التي شاعت حول أن العالم يسير كما ينبغي، أو على أفضل صورة التي أطلقها الفيلسوف «ليبنتز»، ويجسد هذا المنظور شخصية الفيلسوف «بنغلوس» مقابل شخصية «مارتن» – رفيق كنديد- الذي يبدو متشائماً، إذ يخوض مع كنديد حوارات طويلة حول الجدوى من هذا العالم، ومدى تمكن الشر منه.
ولعل في الأجزاء الأخيرة من الرواية جزءاً غير يسير من هذا البحث الفلسفي، ففي كل حادثة ثمة تفسير يحتمل جانبين، أو حكمتين، وهي نزعة فلسفية تسعى لأن تكتشف معاني الأشياء في جوهرها، بالتوازي مع قصور الإنسان عن تفهم الهدف من بعض الأشياء، ومن ذلك قتل كنديد لأحد القساوسة، أو لإنقاذه فتاتين تعرضتا للعض من قردين، وغير ذلك. إن بعض تلك الأحداث السلبية ربما تكون سبباً لنجاته من الموت أو التعذيب، ولا سيما في رحلته إلى أمريكا اللاتينية، حيث يواجه الكثـــــير من المصاعب في بوينس أيرس والأوراغواي، ولكن ثمة أموراً إيجابية ومنها زيارة أرض «إلدورادو»، وهي أشبه بجنة أرضية، حيث الذهب والفضة لا قيمة لهما ملقاة في الشارع. هذه المدينة الأسطورية المنعزلة عن العالم تجسد الوجود المثالي الذي يخلو من البغضاء والحسد والتشاحن، غير أن كنديد وصديقه لم يتمكنا من التخلص من التعلق بعوالمهما الماضية، فيحصلان على الكثير من الكنوز، ويغادران رغبة بالبحث عن معشوقة كنديد بهدف فديتها من حاكم بوينس أيرس الذي اتخذها محظية له، ولكن ينتهي بها المقام خادمة في تركيا.

التمثيلات السردية.. والقيم الثقافية
لا شك في أن وجود كنديد في أمريكا اللاتينية يدفع النص إلى بسط بعض التأملات في تكوين العلاقة بين الأوروبي والشعوب الأخرى، وهنا نلمح كيف تمتثل بعض التمثيلات السلبية للشعوب الأصلية (السكان المحليين)، ولكنها لا تعد ذات قيمة، ولا سيما إذا ما قارنها بالنقد الذي وجهه كنديد للشعوب الأوروبية، أو على لسان حاكم أرض إلدورادو، حيث يتفقان على أن الشعوب الأوروبية شديدة الطمع والجشع، وهذا ما يفسر رغبة سكان إلدورادو في الابتعاد والانعزال. ولعل قصة الإفريقي دليل على ذلك، فقد قطعت يده في مصنع السكر، كما ساقه عند محاولة الهرب، فلا جرم أن يجيب كنديد عن أحواله بقوله «هذا هو الثمن الذي تأكلون به سكراً في أوروبا». الرواية في أكثر من مستوى تنطوي على توجهات لنقد القيم الاستعمارية، والعبودية، كما سلطة رجال الدين، والعصبية، والطائفية، والحكم الاستبدادي، واللصوصية.

يبرز موقف فولتير من الدين عندما يناقش دوره مع حاكم مدينة «إلدورادو» الذي يرى أن الإنسان في تواصل مع خالقه مباشرة بلا واسطة رجال الدين، وهنا يبدو نقد فولتير واضحاً لا للدين إنما للكنيسة، أو رجال الدين في زمن سعت الكنيسة فيه لتفسير العالم من وجهة نظرها: «ماذا! ألا يوجد عندكم، مطلقا رهبان يعلمون ويجادلون ويحكمون ويكيدون ويحرقون من ليسوا على رأيهم؟».
هذا النقد شكل أحد أهم قواعد التنوير الغربي، ولاسيما أن الأحداث التي حصلت في تلك الفترة، خاصة الزلزال في إسبانيا قد قوّض ما كان يروجه رجال الدين من أن العالم يسير على أفضل صورة، بالإضافة إلى الحروب الدينية، والانحطاط القيمي، وغير ذلك؛ ما يجهز على معنى التفاؤل، وهكذا فإن كنديد غير قادر على تفسير الشر الكامن في البشر. ولعل هذا يتجلى في الكثير من الحوارات التي بدت على قدر عال جدا من الاتقان بهدف سبر العديد من الأسئلة الفلسفية التي ترد حول معاني الأحداث والحكمة من وجودها، ونشوء الكون، أو حول الأدب وهوميروس، والفلسفة، حيث نقرأ سؤال كنديد لمارتن «عن الحكمة من وجود هذا العالم… فيجيب الثاني الاستفزاز» هذا الرأي ينتمي إلى الجانب التشاؤمي الذي يتسم بنزعة إلحادية واضحة مقابل منظور «بنغلوس» الذي يرى أن العالم ووجوده ينطوي على حكم كثيرة تبعاً لتصوره الديني الخاص.
في نهاية الرواية يتزوج كنديد بحبيبته ويعمل الجميع في مزرعة، وهنا ندرك أن فولتير ربما قد توصل إلى أن قيمة الحياة تكمن في العمل والعطاء، وبالتحديد في حواره كنديد مع «بنغلوس» الذي يعدد ما عاناه الأول في رحلته، الذي كان نتيجة لأن ينتهي به المقام، وهو يأكل من بستانه ترنجاً وفستقاً، غير أن كنديد يجيبه: «هذا قول حسن، ولكن يجب علينا أن نزرع حديقتنا»، ولعل التكوين السيمائي للحديقة في كونها تحيل إلى الأرض التي يجب أن نعمرها بالعطاء، والعمل.

السّرد: تقدير موقف
المعالجة في الرواية بدت منحازة إلى تفكيك هذه المقولات ونقضها، حينما تترك العالم نبهاً للصدفة، فالنزوع الفلسفي في الرواية برمته يبدو لي على قدر كبير من الموضوعية، ففولتير يبقى في حضوره المتواري قائماً خلف شخصيته التي صاغها سرديا، ونعني «كنديد» التي تمكنت من نقل مستوى التشبيك الفكري بدون الإخلال في الجسد الروائي، أو السّردي عامة، فالقارئ يبقى مشدودا إلى البنية السردية، وتسلسل الأحداث التي ينتقل إليها من مكان إلى مكان، ومن شخصية إلى شخصية، ولكنه يبقى محافظاً على الحراك القرائي وفاعلية تفكيك قراءة شيفرات العمل، مع محاولة إحالتها إلى العالم الذي ينتمي إليه، على الرغم من اختلاف العصور والأمكنة.
لا شك في أن رواية «كنديد» من أهم الأعمال التي استطاعت أن تصف عصرها الذي يبدو شبيها بزمننا العربي الذي يخضع إلى تأويلات متعددة لفهم تمكن الشّر انطلاقاً من أن أسباب الاقتتال والتدمير الذي تعيش فيه أوطاننا نتيجة فعل العقل المعطل، حيث يتم توظيف الدين لأغراض دنيوية، أو استجابة لقيم تاريخية ذات طابع أسطوري، حيث يشهد العالم العربي استقطاباً طائفياً غير مبرر، وهكذا تبدو لي الرواية عملاً عميقاً كونها لا تتوقف عن ابتكار مقولتها في كل عصر، فهي تتكئ على سلوكيات بشرية لن تتوقف يوما عن إنتاج ذاتها.
لا شك في أن هذا العمل قد اكتمل في تلقيه للقارئ العربي عبر ترجمة لمترجم يعدّ من أفضل المترجمين العرب، فخرجت الرواية في لغة عربية قريبة من مزاج النص، وحقبته الزمنية، كما سياقاته، مع شيء من الرشاقة والجزالة، والإيجاز، علاوة على محاولة تثمين المعنى العميق للجمل الفلسفية، مع قدرة على تمكين الكثير من المضمرات التي انطوى عليها النص. وهكذا تبقى قراءة رواية كنديد من وجهة نظري من أهم النصوص الفكرية التي على القارئ ألا يتجاوزها بأي شكل من الأشكال.

٭ كاتب فلسطيني أردني

منقول عن : القدس العربي 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017