الرئيسية / مقالات
"القنبلة الديمغرافية"
تاريخ النشر: الخميس 19/09/2019 10:58
"القنبلة الديمغرافية"
"القنبلة الديمغرافية"


الكاتب: د. حسن أيوب؛ أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية/نابلس
تكررت في الاونة الاخيرة تصريحات مسؤولين سياسيين وإعلاميين فلسطينيين تشير صراحة إلى قرب تغير معادلة الصراع مع "اسرائيل" بفعل ما وصفته هذه التصريحات "بالقنبلة الديمغرافية". ذهبت بعض التعليقات إلى حد استخدام تعبير "القنبلة النووية الفلسطينية" في سياق تفاعل مندفع مع موجة التعبئة لفلسطينيي الداخل المحتل للتوجه لصناديق الاقتراع في الانتخابات العامة التي جرت يوم أول أمس. أتت أبرز هذه التصريحات على لسان رئيس الوزراء الفلسطيني د. محمد اشتية الشهر الماضي خلال اجتماع الاشتراكية الدولية في مدينة رام الله. فقد اعتبر د. اشتية بأن تعذر تحقيق حل الدولتين سيعني أن "اسرائيل" ستعاني من موت ديمغرافي" (التعبير منقول حرفيا حسب عديد وكالات الأنباء). وبالرغم أن التلويح "بالقنبلة الديمغرافية" قد استخدم في الخطاب السياسي الفلسطيني قبل؛ ذلك فياسر عرفات استخدمه مرارا، إلا أن السياقات السياسية والقانونية والواقعية للصراع تعطي للاستخدام الفلسطيني الراهن لهذا التعبير أبعادا جدية، وأغلب الظن ليست في محلها. لماذا ليست في محلها؟
أولا: في معنى الديمغرافيا
تستند سلسلة التصريحات الفلسطينية -بخاصة الراهنة- في هذا الشأن إلى المعطيات الرقمية للإحصاءات "الفلسطينية والاسرائيلية" المتطابقة للعام 2018، والتي تبين بأن أعداد الفلسطينيين على أرض فلسطين قد تجاوزت أعداد الاسرائيليين بحوالي 200 ألف نسمة (6.8 مليون فلسطيني مقابل 6.6 مليون اسرائيلي). إلا أن مفهوم ومدلولات الديمغرافيا هي أكثر تعقيدا وأعمق دلالة من مجرد الأرقام (على أهمية الأرقام). فالديمغرافيا تتعلق ببنية الهرم السكاني، توزيعه المكاني، قدراته الإنتاجية، معدلات الولادة والوفاة، توازناته العمرية الخاصة، وغيرها من الخصائص التي تقرر الفاعلية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأية مجموعة سكانية. إضافة إلى ذلك فإن الجزء الأكثر أهمية في دراسات الديمغرافيا هو المتعلق بتوقعات Projections تغير وتحول هذه البنى في المستقبل المتوسط والبعيد (التحولات السكانية تحتاج لفترات زمنية متوسطة وبعيدة لكي يظهر تأثيرها). ولعل هذا البعد الأخير ذو الصلة بالمستقبل هو الأكثر أهمية في الحالة الفلسطينية/"الاسرائيلية" باعتبار التوازن الحالي ليس جوهريا أو حاسما من حيث التوازن الذي تشير له التصريحات الفلسطينية. أي أن دراسات الديمغرافيا تتعلق ببعدين متلازمين للظاهرة السكانية: الخصائص الكمية، والخصائص النوعية. من هذه الزاوية فإن التصريحات الفلسطينية تبدو مكتفية فحسب بمعيار أوحد من الخصائص الكمية وهو العدد الأمر الذي يشير إلى فهم مجزوء وسطحي للظاهرة، وتوظيفه سياسيا دون سند منهجي. بكلمات أخرى فإن التعامل الفلسطيني مع الموضوع هو من باب الاستخدام السياسي للديمغرافيا ولكن دون تجاوز حدود المعطى العددي، بينما تعاملت "اسرائيل" تاريخيا مع الموضوع من منطلق وضع التغيير الديمغرافي -مشفوعا بالبطش والتهجير والاستعمار الاستيطاني والمجازر- في خدمة الاستراتيجية السياسية.
ثانيا: مخاطر المقاربة الفلسطينية
لماذا ترى التصريحات الفلسطينية في تغير التوازن العددي تهديد لاسرائيل؟ برأي رئيس الوزراء الفلسطيني فإن هذا التطور من شأنه أن ينهي وجود اسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية (الكلام منقول حرفيا من مداخلته انفة الذكر). فهل سلم الفلسطينيون بمقولة "اسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية"؟ ثمة مسألة أخلاقية من الدرجة الأولى هنا: فبصرف النظر عن البعد الفلسطيني الخاص، وعن المواقف الفلسطينية السابقة برفض الاعتراف بمقولة "يهودية الدولة"، وبخاصة بعد إقرارها "لقانون القومية"؛ بصرف النظر عن ذلك فإن الموقف من هذا التصور الصهيوني للدولة مرفوض من حيث مبادئ الديمقراطية والمفاهيم التقدمية الإنسانية للعلاقات السياسية. الرفض الفلسطيني لهذه المقولة لا ينبع فقط -ولا ينبغي له- من ما تحمله هذه المقولة من نفي جذري لعلاقة الفلسطيني بوطنه كشعب أصلي، بل إلى جانب ذلك من انحياز صريح لقيم المساواة، ورفض الاستعلاء والتمييز بغض النظر عن مصدره، وهو إثني-ديني في الحالة "الاسرائيلية" قاد ولا يزال يقود إلى تغول اسرائيلي على الفلسطينيين في سياقات فاشية لا تقبلها القيم الإنسانية والقانونية والأخلاقية. ويمكن لنا أن نراجع مواقف وتصريحات العديد من المفكرين والسياسيين التقدميين في هذا الشأن، أو مواقف القوى الاجتماعية والسياسية الحليفة للفلسطينيين، والتي ترفض جملة وتفصيلا مقولات "الدولة اليهودية" وقانون القومية".
ومن الناحية العملية-النفعية المحضة فإن التمسك بمقولة "القنبلة الديمفرافية" ينطوي -وإن كان ضمنيا- على سياسة انتظارية وقدرية تشكل مبررا للسلبية، بقدر ما تعكس درجة مفزعة من العجز وعدم القدرة على تغيير الواقع بانتظار التحول الاتي. صحيح أن تغير الموازين الديمغرافية سيشكل بداية النهاية للادعاء الاسرائيلي بأنها "دولة الديمقراطية والقانون" من حيث معيار حكم الأغلبية، إلا أن ذلك لن يتحقق طالما أنها ترعى وتحافظ على ذلك الفصل المحكم للحيزين اللذان يعيش فيهما الفلسطينيون: المناطق المحتلة عام 1967، وتلك المحتلة عام 1948. خلاصة القول في هذا المقام هو أن التصور الفلسطيني لمسألة الديمغرافيا من الزاويتين الأخلاقة والنفعية المحضة ليس في مكانه، ويقوم على مسلمة مغلوطة تربط بين المكون العددي والقدرة السياسية. فما الذي يحول الإعداد إلى مكون حركي فعال، وبخاصة في حالات الصراع مثل الحالة الفلسطينية؟
ثالثا: متى تتحول الأعداد إلى قوة حركية
لا يكفي أن تتمتع مجموعة اجتماعية ما (بالمعنى الواسع للجماعات) بأغلبية عددية في سياق صراعي سواء كان قومي، إثني-قومي، ديني، أو طائفي لكي تمتلك التفوق من حيث القوة والحركية القادرة على تغيير الواقع. والأدلة التاريخية تشير بلا غموض إلى أن ذلك غير كاف وإن كان ضروريا. فالبيض الهولنديين (الأفريكانرز) سيطروا على جنوب إفريقيا وحكموها بالتفرقة العنصرية لحوالي قرن من الزمان (1902-1993) ولم يشكلوا أكثر من 15% من السكان، والبحرين تحكمها أقلية سنية رغم أن الشيعة هم الأكثرية، وفي إيرلندا الشمالية سيطر البروتيستانت "الوحدويون" على البلاد رغم التقارب العددي بينهم وبين السكان الأصليين الكاثوليك. لعلاقات الأكثرية-الأقلية منطقها الخاص ودينامياتها التي لا تتحكم بها الأعداد فقط، بل إن عوامل التنظيم السياسي، والتموضع الجغرافي، والموارد، والقيادة السياسية، وسواها من العوامل هي التي تحدد فيما إذا كانت الأعداد ستتحول إلى قوة حركية تمتلك القوة والقدرة. ولعل إصدار اسرائيل لقانون القومية في أحد جوانبه يعكس فهما عميقا لهذه المسألة، وتحركا استباقيا لاحتواء التغير في الميزان الديمغرافي. فاسرائيل بتقديرنا تسعى لتحصين الوجود اليهودي والسيادة اليهودية قانونيا (إلى جانب السياسات الأخرى) في وجه هذا التغير المحتمل (لا زال لدى اسرائيل خيارات وإن كانت قد تقلصت في جلب مزيد من المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء العالم) بالمعنى الواسع للتحولات الديمغرافية؛ أي أن اسرائيل من الناحية القانونية قد تحولت تماما إلى نظام فصل عنصري بعد أن كانت لسنوات كذكلك بحكم الواقع، وهو تطور مشابه لتبني "الحزب الوطني" في جنوب إفريقيا لنظام الفصل العنصري في العام 1948. ومن وحي التجربة الجنوب إفريقية وغيرها من التجارب ومثلما تشير العديد من الدراسات الأكاديمية ذات العلاقة، فإن بوسعنا الإشارة إلى بعض أهم الشروط اللازمة لتحول الأعداد إلى قوة تغييرومدى في الحالة الفلسطينية:
- التنظيم السياسي المركزي والمنضبط: لا تتحول الأعداد إلى قوة بصورة اليه، إذ إن تنظيمها السياسي المركزي سواء كان رأسي أو أفقي مع وجود مركز ثقل يقرر وجهة المطالب السياسية يعتبر شرطا لازما للتحول إلى قوة مؤثرة بخاصة إذا ما اقترن ذلك بالتوجه السياسي الكفاحي والمشتبك. إن الحالة السياسية -التنظيمية الفلسطينية امتلكت هذا الشرط في مناسبات محدودة جدا حتى في مرحلة تسيد م. ت. ف لهذه الحالة. فقد اتسمت الحياة السياسية الفلسطينية تاريخيا بالفصائلية، والصراعات الداخلية التي بلغت ذروتها بانقسامات عميقة بعد اتفاقية أوسلو وأخيرا الانقسام. هذا إلى جانب غياب القيادة السياسية التي تحظى بشرعية واسعة وتتحمل أعباء تبني استراتيجية ثابتة وجامعة؛
- الإحساس الجماعي بوحدة الهدف: لا تتحول الجموع إلى قوة حركية واعية لذاتها وللتحديات التي تجابهها إلا إذا امتلكت إحساسا جماعيا بالغاية والهدف الذي يشكل المادة الأولية التي توحدها. أضاع الفلسطينيون هذا الإحساس منذ توقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993 إذ حلت السلطة الفلسطينية محل الحركة الوطنية لكنها سلطة خلافية فلسطينيا. والحال هذه فإن الفلسطينيين قد فقدوا "صمغهم اللاصق" ولم يتشكل له بديل جامع. تتعدد البرامج السياسية والتصورات العملية والوسائل والاليات الفلسطينية إلى حد بات يصعب حصرها. ساهم في ذلك بصورة فعالة السياسات الاسرائيلية التي فصلت بين الحيزات الفلسطينية بالمعنيين الحياتي والسياسي: بين فلسطينيي الداخل المحتل، وفلسطينيي المناطق المحتلة عام 1967، بين شمال ووسط وجنوب الضفة الغربية، بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بين مناطق "أ" و "ب" و "ج"، وبين الريف الخاضع بصورة شبه كاملة لمنظومة التحكم الاسرائيلية وبين المدن التي تعيش وهم الحياة الاعتيادية. كما ساهم في هذه الحالة ما يمكن وصفه بالهندسة الاجتماعية التي يتعرض لها المجتمع الفلسطيني منذ سنوات بفعل اليات اقتصاد السوق وتغلغل مئات المنظمات غير الحكومية؛
- الاتصال الجيو-سياسي والجيو-اجتماعي: يرتبط هذا الشرط، بل ربما يشكل الأساس الأولي للشرط السابق (أعني الإحساس الجماعي بوحدة الحال والغايات). لقد عملت الة الاستعمار-الاستيطاني الاسرائيلي وسياسات العزل والتمييز Differentiationبين التجمعات الفلسطينية، عملت على خلق وتكريس نظام بانتوستانات (معازل) لا تمتلك الحد الأدنى من التواصل والاتصال المكاني والزماني (الزمن الفلسطيني يبقى رهينة الإجراءات اليومية لقوات الاحتلال ونظمه التحكمية)، وهو ما انعكس على الممارسات الاجتماعية والحالة السيكولوجية للفلسطينيين باتجاهات تذريرية وانعزالية، وعلى شكل مظاهر العنف الاجتماعي واللجوء للجهوية والعائلية وسواها من الروابط الأولية. ولا مبالغة بالقول بأن وجود السلطة الفلسطينية بذاته ولما تعانيه من نقص بنيوي في نطاق عملها وصلاحياتها وقدراتها يشكل عاملا مركزيا في هذا التذرير إذ أوجد تباينات أفقية وعامودية في البناءات الاجتماعية-الاقتصادي والمعيشية للفلسطينيين.
خلاصة القول فإن العزف على وتر التحولات الديمغرافية باعتبارها تهدد الوجود اليهودي لدولة "اسرائيل" لا يفتقد إلى الدقة والتبصر فحسب، بل إنه ينطوي على مغالطات مبدأية وعملية وسياسية بغاية الخطورة. إن هذه المقاربة لا تشكل بأي حال بديلا عن امتلاك تصورات عملية ومنهجية لتوفير شروط تحول الأعداد إلى قوة حركية مؤثرة. هذا يشبه تماما ويرتبط بالتلويح بمقولة "الدولة الواحدة" بوصفها تهديد "لاسرائيل" دون الالتفات الجدي لما يمكن أن يحول أي من التهديدين إلى استراتيجية مثابرة تتجاوز معيقات تحول أعداد الفلسطينيين إلى قوة وقدرة على التغيير الجذري للواقع.

 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017