الرئيسية / الأخبار / فلسطين
موسم ومقام النبي موسى
تاريخ النشر: الأربعاء 27/01/2021 14:28
موسم ومقام النبي موسى
موسم ومقام النبي موسى
غسان دويكات
باحث في تاريخ فلسطين المحلي

رب ضارة نافعة
كان الحفل الموسيقي الراقص في مقام النبي موسى يوم 27 كانون أول 2020م، وبالرغم من الاستياء الذي تسبب به هذا الحفل وما رافقه من لغط حول الجهة التي صرحت بإقامته، إلا انه كان سبباً في دفع الكثيرين من الناس؛ لزيارة المقام، والمرابطة فيه، والبحث للتعرف عليه.
هناك فرق بين موسم، ومقام!
إن الباحث والقارئ في تاريخ موسم ومقام النبي موسى سيلحظ تلازم خطين متوازيين رافقا المقام منذ نشأته وحتى وقتنا الحاضر، الأول؛ الموسم، وهو معنوي ووجداني يتعلق بواحدة من وظائف هذا المقام تحديداً. والثاني؛ المقام، وهو مادي يتعلق بتتبع عملية بناء وإنشاء المقام وعمليات الترميم والإصلاحات.
لنأخذ الخط الأول؛ إذ تُجمع المصادر أن صلاح الدين الأيوبي وبعد انتصاره في معركة حطين، وكجزء من صراعه مع الصليبيين والذي لم يكن قد انتهى حينذاك، قد ابتدع وأحيى فكرة التجمع والاحتفالات الشعبية عند المقامات الرئيسة في عدد من مدن فلسطين، لسكان فلسطين والمقاتلين المسلمين من شتى البقاع المتواجدين فيها.
إن التوقيت لهذه المواسم ذات مغزى ويدلل على هدف صلاح الدين من إقامة هذه المواسم، فهي في نهاية آذار وحتى نهاية نيسان، وهي الفترة التي كانت تشهد قدوم آلاف النصارى من أوروبا للاحتفال بعيد الفصح، والحج، وزيارة الأماكن المسيحية المقدسة، وهو الأمر الذي جعل عددهم كبيرا خاصة في مدينة القدس. فكانت فكرة إحياء موسم مقام النبي موسى كونه تابع القدس، حركة كان هدف صلاح الدين منها حشد اكبر عدد من المسلمين بكامل أسلحتهم، لتوازي جموع الصليبيين القادمين للحج والزيارة، من جهة، ورفع درجة الاستعداد والتأهب للمسلمين إذا ما فكر الصليبيين استغلال وجودهم للقيام بعمل عسكري ما آنذاك.
أما الخط الثاني؛ فوفقا للمصادر ونقش التأسيس الموجود فيه، يعود تاريخ أول بناء لهذا المقام في عهد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، وذلك في العام 1269م، ثم تتالت خلال العهد المملوكي عمليات الإضافة والتوسعات، على يد المتبرعين وفاعلي الخير من المسلمين تارة خلال الفترة 1269 -1470م، ومن قبل السلاطين تارة أخرى خلال 1470-1480م، حتى وصل إلى ما هو عليه حاليا.
استمر العثمانيين في عمليات الإضافة والترميم خاصة خلال الأعوام 1604-1609م، وبُني في عهدهم مقام الراعي جنوب غرب مقام النبي موسى على بعد حوالي ألف متر أو اقل عام 1545م، واستمرت لاحقا عمليات الترميم حتى نهاية العهد العثماني. وخلال الاحتلال البريطاني لفلسطين استمرت عمليات الترميم والإصلاح، وأضيف للشرق منه بحوالي ثلاثمائة متر مقام عائشة خلال الفترة 1918-1928م تحديدا. وأخيرا كانت الترميمات التي قامت بها السلطة الفلسطينية بالشراكة مع عدة أطراف خلال عامي 2019-2020م.
البُعد الوطني للمقام
يتضح لنا وظيفة مهمة وإضافية لمقام النبي موسى، وهي الوظيفة الوطنية، وهي الوظيفة التي جعلت الظاهر بيبرس يقيم بناءً على الموقع لاحقاً، واستمرارية هذه الوظيفة من خلال استمرار عمليات الإضافات على البناء والترميمات حتى يومنا الحالي. وبالرغم من غياب هذه الوظيفة في العهد العثماني – لغياب ما يستدعي ذلك بالطبع – وبقاء وظيفته الدينية فقط، إلا أنها عادت بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية واحتلال بريطانيا لفلسطين، وهي الوظيفة التي يجب أن يلعبها حاليا ضد الاحتلال الصهيوني، أو ضد كل من يحاول تغيير طابع ووظيفة المقام لوظيفة لا تخدم قضية فلسطين، وهي وظيفة نجحت – حتى الآن – في دورها، واستدعتها خلفية أحداث الحفل الراقص وما تلاه من لغط، كما استدعى ذلك استنفار أبناء الشعب الفلسطيني للتوجه للمقام والصلاة والمرابطة فيه، مما أعاد بعضا من روحانية ووجدانية المقام الدينية.
من هنا يأتي دور المؤسسات والأفراد لزيارة المقام والتواجد فيه طوال أيام السنة، وتشجيع الرحلات العائلية والمدرسية – بعد انحسار جائحة كورونا – لزيارة المقام، فالوظيفة الوطنية لها ما يبررها وهي استمرار الاحتلال الصهيوني. كما يمكن استغلال المقام نفسه وموقعة في تلك البقعة الصحراوية النائية من فلسطين، لتسيير جولات مشي تبدأ أو تنتهي فيه، فيمكن تسيير مسارات مشي بيئية وتاريخية وأثرية ودينية للمقام ومنه.

 

 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017