حواس محتجزة تلامس ايقاعات الحرية: تأملات في جمر المشهد
بسام الكعبي
قَطَعَ المحرر عاصم الكعبي بهدوء، مع مئات العمال العائدين إلى بيوتهم، بوابة الجدار الأسود على حاجز الظاهرية العسكري جنوب الخليل بعد ظهر الخميس (22 نيسان) ولامس الحرية بحواسه، وجال ببصره على الأسلاك الشائكة، والجدار المرتفع، وعدسات الصحفيين المصوبة بدقة نحو قامته العالية، واستمع إلى إيقاع (الطبلة) ممزوجاً بالزغاريد ونشيد الانتصار، وأصوات متداخلة لباعة العصائر والخضار والملابس، وأختبر بحاسة الشم هواء منعشاً تطاير من تلال الخليل تحدى شمسها المتوهجة؛ وقد تجاهل الطقس الحار بعناق شقيقاته الثلاث، وخطيبته، وأشقائه، وأصدقائه، ورفاقه، قبل أن يعانقني وينفجر في داخلي الفرح مختلطاً بالحزن! وقد راقبتُ بصمت الدمع يتسلل من ثغر الابتسامات الضيقة ليحاصر الابتسامة الواسعة على مرارتها وفرحها وغضبها وخجلها..! كيف نفرح ونحزن ونغضب ونقلق وتتناقض مشاعرنا في اللحظة ذاتها؟ تدرك أعماقنا السر وشيفرة المعادلة بوضوح: لا يكتمل الفرح إلا بتحرر الأسرى والأسيرات، استقلال الوطن، كنس الاستيطان، إزالة الحواجز العسكرية، لوي عنق ثعبان الجدار الفاصل، إقامة العدالة الاجتماعية الاقتصادية، منح العمال والفلاحين والمهمشين حقوقهم، انجاز حق عودة اللاجئين في الوطن والشتات، لجم اقتصاد ليبرالي "يُشبع" جشع برجوازية محلية مهترئة لا تشبع! هل تكفي رزمة صغيرة من حقائق موجعة شاركتني باستقبال شقيقي المحرر لتشعل شرارة المشاعر المتناقضة المختلطة!؟
خطا عاصم برفقة خطيبته صمود سعدات وشقيقاته دنيا وسلافة ووفاء وأطفالهم نحو حافلة الفرح في طريق العودة نحو شمال الضفة المحتلة إلى مخيم بلاطة شرقي نابلس، وعلى إيقاع الطبلة والغناء احتفاء بتحرره وعيد ميلاد خطيبته، وتحت رشقات تصوير أجهزة الديجيتال الحديثة التي لم يختبرها؛ تأمل غالبية "ركاب" الحافلة تبحث عن المحرر في شاشات الموبايل ولقطات الفيديو الراهنة! ابتسم عاصم وخاطب أحباءه: النسخة الأصلية موجودة بينكم..لماذا الانشغال بصورتي المحتجزة في الشاشات الصامتة؟ وغاب عن الرفيق التغيرات الهائلة التي أحدثتها الثورة الرقمية في (الزمن الموازي)!
تمكنتْ الحافلة والسيارات المشاركة بالاستقبال من مغادرة منطقة حاجز الظاهرية بصعوبة، وتجاوز أزمة السير الخانقة بسبب مئات "الفوردات" التي تنتظر نقل عشرات آلاف العمال: جمر اجباري يكوي حواسهم كل فجر أثناء مرور المسحوقين عبر معبر الآلام القاتل، وتعريض المستغَلين للاذلال والمهانة والعنصرية، فيما تستخدمهم (ربطات العنق) المحلية و(الياقات البيضاء) الوطنية للزينة (الكفاحية) في كل مناسبة رمزية! وفي الشعارات المزيفة التي تعلو صناديق الانتخابات المتعددة! وأحياناً في بيانات الشجب والاستنكار ونعي الضحايا منهم!
تجاوزتْ قافلة المستقبلين الطريق الطويلة نحو نابلس عابرة (التفافي أريحا) نحو الجفتلك والنصارية والباذان، ووقفتْ على باب مخيم بلاطة. أقدمتْ حشود الشباب على "خطف" المحرر من السيارة التي تقله، وقاوم بأخلاق حمله على الأكتاف، وأصر على السير بجوار رفاقه لا فوق أكتافهم لأنها خلقت للبنادق فقط، وسار نحو منزل رفيقه الشهيد نادر أبو ليل، وانحنى تقديراً لوالدته الصابرة وخاطبها بأن الشهداء نجوم في السماء تضيء درب العودة، واتجه نحو بيت رفيق السلاح الأسير المحكوم بالمؤبد خالد خديش، وقبّل جبين والدته، وأكد لها أن القامة العالية أقوى من السجّان، وأن باب السجن آيل للسقوط، وتابع إلى منصة الاحتفال ليستعيد والدته التي رحلت نهايات تموز 2014 أثناء الاعتداء الوحشي على غزة الشموخ والكبرياء: أين أنتِ؟ لماذا لم أشاهدك بين جموع الأحباء الأوفياء؟ واستعاد في كلمته المحكمة سيرة الكفاح والشهداء والجرحى والأسرى مؤكداً أن الانتصار قادم مهما بلغت سطوة الجلاد.
استقبل طوال ثلاثة أيام شباب بلاطة الوفاء، والرفاق والأحباء والأصدقاء من مخيمات وقرى ومدن الضفة، واستعاد بالفرح والحزن، مع أصدقائه، أرشيف الجمر، وسنوات المطاردة منذ انتفاضة القدس أواخر أيلول 2000 وحتى لحظة الاعتقال أواخر نيسان 2003، وقد انفجر الأصدقاء بالضحك كلما استعادوا حكايات استبدال شرائح الجوال للبعض، كلما اتصل عاصم على رقم الشريحة مطمئناً عنهم أثناء اجتياح الضفة في عملية (السور الواقي) وأستعاد المحررون معاً قصصاً إنسانية، تكشف صلابة المواقف في مواجهة ترهيب قذائف استهدفتْ الأبرياء بلا رحمة بذريعة تقديم الطعام والشراب (للمطاردين).
ربما تحتاج هذه الحكايات فيلماً وثائقياً يروي تماسك الانسان المسلح بالقيم الأخلاقية بمواجهة الجندي المسلح بالنار والقذائف! على أمل أن يستعيد الوثائقي حكاية الطفل المبعد عاصم (1978) مع أسرته إلى مخيم عقبة جبر (أريحا) أواسط أيار 1980 بحجة نشاط شقيقه أحمد في المقاومة. عاد عاصم مع أسرته إلى بلاطة، عقب اضراب عن الطعام، باسم جديد (أبو جبر) قبل استبداله ليصبح (أبو نادر) وفاء لرفيقه نادر أبو ليل؛ وقد ارتقى شهيداً مطلع أيار 2004 بصاروخ للاحتلال استهدفه ورفاقه في نابلس، لعل الوثائقي يبرز أعباء النكبة الممتدة التي تحاصر المخيم وتضحيات شبابه المستمرة حتى انتزاع الحرية وتحقيق العدالة، ويتناول خطفاً مشوار الكفاح الصعب للرفيق عاصم منذ تمرده المبكر، ومقاومته، وسنوات اعتقاله الطويلة، وتحرره واستقباله الحافل.. المجد للأحرار.