البطاقة المعدومة: عشوائية المعايير والقرار النهائي للهيئة المحلية!
تحقيق استقصائي: ايمان فقها
"من تعليقات الناس حسيت في شي غلط بس رحت قدمت طلب ووقتها المسؤول انصدم!".
في السادس من شهر يناير لعام 2021م، توجهت أماني "اسم مستعار" (27 عامًا) من سكان بلدة عنبتا شرق طولكرم، إلى بلدية عنبتا للتقدم لشاغر "سكرتيرة وعلاقات عامة" حسبما كان معلن، لكن الحكاية التي واجهتها كانت مختلفة تمامًا عن توقعاتها؛ لِتَمكث ما يقارب شهر هنا وهناك لعلها تحصل على حقها في المنافسة!
تخرّجت مُحدِثتنا أماني من تخصّص الصحافة المكتوبة والإلكترونية عام 2016م بتقدير ممتاز، وَعملت بعدها في أماكن متعددة لتوثّق خبرة 3 سنوات كاملة، ثمّ توقفت عن العمل عام 2020م؛ لِتَجد في إعلان بلدية عنبتا طريقًا جديدًا للمنافسة في سوق العمل.
تخبرنا أماني: "أول ما قدمت أوراقي، المدير الإداري بالبلدية انصدم من الخبرة، وحكالي ما شاء الله عنك! بس احنا بدنا سكرتيرة أو علاقات عامة، وأنت خبرتك أكبر من المطلوب، حكيتلوا أنه بنقدر نشتغل بالعلاقات لأنها من ضمن تخصصات كلية الإعلام".
بعد 3 أيام، توجهت أماني إلى المدير الإداري في بلدية عنبتا، سائلة إياه عن فرز الطلبات، فردّ: "شايفة طلبك رح ينقبل مثلا؟"، فأجابته: "طبعًا"، فقال: "في لجنة رح تفرز الطلبات وهي رح تقرر". استفسرت محدثتنا عن موعد الرد على الطلب، فأجاب: "الأسبوع المقبل، وفي حال الرد أو الرفض نخبر الجميع".
تتابع أماني: "شعرت من أسلوبه أنّ طلبي مرفوض، لذا توجهت لمديرية الحكم المحلي في طولكرم قبل موعد فرز الطلبات لإخبارهم بالموضوع، كانت المديرة الإدارية متعاونة جدًا، وبعد الحديث معها، لم أتوقع لحظة أنّ طلبي سيرفض!".
رفض دون إبلاغ!
"بعدها بِقرابة أسبوعين، تفاجأت أن بلدية عنبتا عيّنت موظفة، توجهت حينها إلى الحكم المحلي، لمعرفة ماذا حدث؟ ولما لم يتم إخباري برفض طلبي على الأقل!"، تقول أماني.
قَدّمَت محدثتنا شكوى مكتوبة في مديرية الحكم المحلي في طولكرم، لمعرفة سبب الرفض؛ لِتمكث قرابة ثلاثة أسابيع للحصول على رد!
وينفرد رُبع الجامعات الفلسطينية في تدريس تخصص العلاقات العامة من إجمالي (19) جامعة، جامعتين في قطاع غزة، وثلاث جامعات في الضفة الغربية. بدأت جامعة الأقصى في تدريس العلاقات عام 2005م، لتلحقها جامعة النجاح الوطنية بعد خمسة أعوام، ثم جامعة القدس المفتوحة عام 2018م، وتتبعها الجامعة العربية الأمريكية وغزة عام 2020م، فيما لا زالت بقية الجامعات تدرّس بعض مساقات العلاقات العامة ضمن تخصص الإعلام.
وثائق مخالفة لرأي اللجنة!
حصلت معدة التحقيق على مستند من ديوان الموظفين العام، يُبيّن الوصف والتوصيف الوظيفي لشاغر"العلاقات العامة"، وثيقة الديوان المرفقة https://bit.ly/3osI0kW تبيّن أن التخصصات المقبولة للمنافسة هي: علاقات عامة، وعلوم سياسية، وإعلام وصحافة، ودراسات إعلامية، ولغات، وعلاقات دولية.
إضافة لمستند "دليل عمل العلاقات العامة والإعلام" الصادر عن وزارة الحكم المحلي يُحدّد الأوصاف الوظيفية للوظائف في العلاقات العامة والإعلام. المستند المرفق https://bit.ly/3kFAcIP يوضّح أن التخصصات المقبولة لشاغر العلاقات العامة هي: علاقات عامة، وعلوم سياسية، وإعلام.
كما جمعت معدة التحقيق في هذا الرابط https://bit.ly/3Fe3qYI عدة إعلانات من بلديات مختلفة لشاغر"العلاقات العامة"يتضح اختلاف تفاصيل كل منها.
انعدام مهنية!
الأستاذة المتخصصة في مجال الإعلام والعلاقات العامة ريحان يحيى تعلق: "لا يحق لِلّجنة المسؤولة رفض طلب المتقدمة خريجة الصحافة لوظيفة العلاقات العامة تحت مبرّر الصحافة المكتوبة والإلكترونية ليست من ضمن مجال العلاقات العامة، هذا الكلام علميًا غير صحيح لكن يفضل توظيف خريج العلاقات العامة دون حرمان خريج الإعلام من حقه في المنافسة".
فيما يخصّ دمج تَخصُصَيّ السكرتارية والعلاقات العامة في إعلان واحد، توضّح يحيى: "لا علاقة للتخصصين ببعضهما، هناك خطأ في الصياغة، وعلى ما يبدو انعدام مهنية في كتابة طلبات التوظيف، وعدم إلمامٍ كافٍ بالشروط الواجب توافرها بالشخص المتقدم لهذه الوظائف".
وتنص المادة رقم (6) من التعليمات رقم (1) لسنة 2020م بشأن نظام موظفي الهيئات المحلية، أنه يتوجب على الهيئة المحلية الإعلان عن الوظائف الشاغرة في صحيفتين يوميتين ولوحة الإعلانات الداخلية أو عبر الموقع الإلكتروني الرسمي للهيئة، ويتضمن الإعلان البيانات المتعلقة بالوظيفة وشروط شغلها وفق بطاقات الوصف الوظيفي.
فساد كبير!
هذه القصة، جزء من (65) قضية فساد ومخالفة إدارية للهيئات المحلية وثَقتها معدة التحقيق من خلال تتبع التقارير السنوية لديوان الرقابة المالية والإدارية لمدة ثلاثة أعوام (2018-2020)، تنوعت هذه القضايا والمخالفات ما بين التعيين دون إعلان أو مسابقة، أو مخالفة القوانين، أو الازدواج الوظيفي.
وحسب تقارير ديوان الرقابة الإدارية والمالية، يتربّع قطاع الحكم المحلي في المرتبة الأولى من حيث عدد التقارير والشكاوي، لِيُسجل (194) تقريرًا، و(330) شكوى ضد الهيئات المحلية في الضفة الغربية والقدس.
بلدية عنبتا في الصدارة!
وثق ديوان الرقابة 19 شكوى ضد التعيينات والترقيات المخالفة للقانون عام 2020م، حازت بلدية عنبتا على ربعها، مخالفة مواد نظام موظفي الهيئات المحلية لعام 2009م وتعديلاته.
تعرّف على مضمون الشكاوي ضد بلدية عنبتا:
لا زالت على رأس عملها!
أما في بلدية بلعا شرق طولكرم، فالحكاية واحدة ضمن (3) مخالفات، حيث عينت البلدية موظفة "سكرتيرة وعلاقات عامة" دون الإعلان وإجراء الامتحانات التنافسية والمقابلات الشخصية خلافًا لأحكام المادة (10) من نظام موظفي الهيئات المحلية رقم (1) لعام 2009م. إضافة إلى أن الموظفة تحمل شهادة البكالوريوس في "التأهيل التربوي" ولا يتناسب مع الشاغر خلافًا لأحكام المادة (17) من النظام ذاته، فيما كانت المخالفة الثالثة عدم وجود شاغر وظيفي ضمن موازنة عام 2018م لهذه الوظيفة خلافًا لأحكام المادة (11) من النظام.
تواصلت معدة التحقيق مع الجهة المسؤولة "فضل عدم ذكر اسمه" فيما يخص قضية الفساد في بلدية بلعا، لِيرد قائلًا: "تواصلنا مع البلدية في هذا الموضوع لكن المجلس البلدي أصرّ على إبقائها، والقرار في النهاية له!". ورغم توصيات ديوان الرقابة الإدارية والمالية، والرد عليهم من البلدية إيجابًا إلا أن الموظفة لا زالت على رأس عملها حتى موعد نشر التحقيق!
وفي بلدية قصرة جنوب شرق نابلس، ومجلس قروي دوما في نابلس، فالحكاية ذاتها، فَلم تعين البلديتين الموظفين بناء على تنسيب من لجنة شؤون الموظفين خلافاً لأحكام المادة رقم (12) من قرار مجلس الوزراء رقم (1) لسنة 2009م بشأن نظام موظفي الهيئات المحلية، ولم يتم الإعلان عن حاجتها لبعض الوظائف المؤقتة وعدم وجود قرار مجلس بلدي بذلك.
ختامًا في شكاوي عام 2020م، عيّنت بلدية سلفيت بعض الموظفين دون إتباع الإجراءات القانونية من حيث الإعلان في الصحف المحلية، وعدم وجود مسابقة لشغل تلك الوظيفة.
البيرة تتصدر في 2019م!
وثّق ديوان الرقابة الإدارية والمالية (25) شكوى ضد الهيئات المحلية في الضفة الغربية والقدس، كانت أعلاها في بلدية البيرة بمقدار (8) شكاوي، يليها بلدية يطا بمقدار (5) شكاوي.
تتبع من خلال هذا الفيديو، أبرز القضايا التي سجلت ضد الهيئات المحلية في محافظة رام الله والبيرة، وكانت منوعة بين التعيين دون إعلان، والازدواج الوظيفي.
وفي محافظة نابلس، سجلت بلدية نابلس، ومجلس الخدمات المشترك للتخطيط والتطوير(6) مخالفات وقضايا فساد، تعرف عليها:
انتقالًا إلى بلدية طولكرم، التي سجلت قضيتيّ فساد في تكليف أحد الموظفين بإدارة وحدة الشؤون القانونية دون مراعاة المؤهل الأكاديمي أو الخبرات العملية التي يتمتع بها، وتكليف موظفين اثنين بوظائف إدارية دون حصولهم على الشهادة الجامعية الأولى بالإضافة إلى أن الشهادات العلمية (الدبلوم المتوسط) التي يحملونها لا تتوافق مع المناصب كلفوا بها.
وفي بلدية العوجا في محافظة أريحا، لم يُعقد امتحان للمتقدمين لوظيفة مهندس، حيث تم الاكتفاء بإجراء مقابلات شخصية للمتقدمين، إضافة لعدم الحاجة لها نظرًا لوجود مهندس في البلدية ودون وجود مبررات قانونية تستدعي ذلك.
ختامًا لعام 2019م، عمل استشاري الدعم الفني والتقني في بلدية حزما في محافظة القدس في وزارة التعليم العالي، دون حصوله على موافقة مجلس الوزراء، بناء على تنسيب رئيس الدائرة الحكومية المختصة للعمل في وظيفة أخرى خارج نطاق وظيفته حيث لا يوجد أية سجلات إدارية تفيد بأن المستشار الفني قد التزم بالدوام في البلدية حتى تاريخ 2019/06/25 م. ويظهر جدول دوام الموظف في وزارة التربية والتعليم خلال شهر 2019/07 م أنه عمل في البلدية خلال أيام عمل رسمية خلافا للبند (3) من المادة (2) من قرار مجلس الوزراء.
سيلة الظهر وعلار الأعلى عام 2018!
أما عن بلدية تلفيت جنوب نابلس، فَلا يوجد اتفاقية عمل خاصة بموظف فني صيانة شبكة الكهرباء للعام 2016م بسبب فقدانها وعدم وجودها في ملف الاتفاقيات.
ختامًا مع بلديات علار، والسموع، ويطا، وأريحا، وأبو ديس، حيث تنوعت قضايا الفساد والمخالفات الإدارية على النحو الآتي:
المعايير عشوائية!
جمعت معدة التحقيق إعلانات عديدة لشاغر "الهندسة" في هيئات محلية متعددة https://bit.ly/3FbrImo تبيّن أن كل هيئة محلية استفردت بنشر تفاصيل الشاغر بشروط مختلفة عن غيرها، لتحدّد بعضها سنوات خبرة وأخرى تحدد ب "خبرة عملية موثقة".
بلديات لا تفصح!
زارت معدة التحقيق بلديات عدة في محافظات مختلفة، للحصول على رد حول بطاقات الوصف الوظيفي، وشروط صياغة الإعلانات لكن "رفض إجراء المقابلة أو إعطاء معلومات" كان بالمقابل!
وعن دور الحكم المحلي وطبيعة علاقته مع الهيئات المحلية فيما يخص إعلانات التوظيف، صرّح أحد المسؤولين في إحدى مديريات الحكم المحلي "فضل عدم ذكر اسمه": "العلاقة تقوم على التوجيه والرقابة فقط، أي أن الحكم المحلي قد يوجه البلدية لتعديل الإعلان أو إضافة بعض التفاصيل لكن القرار النهائي يعود للهيئة المحلية!".
أما عن بطاقات الوصف الوظيفي، فَطلبت معدة التحقيق من المسؤول ذاته إعطائها نسخة منها لكن أخبرها بعدم وجودها في المديرية، أو اتباعهم لها رغم وجود نص قانوني بذلك! إذن هي "البطاقة المعدومة"، وعدم وجودها يفتح السؤال: "هل غيابها مقصود؟ أم متعلق بإعطاء المجال للبلديات في صياغة الإعلانات كما يحلو لها؟".
فيما يتعلق بتحديد الجنس في بعض الإعلانات، تحدث المسؤول: "بعض الأعمال تتطلب ذكرًا وخبرة طويلة مثل مهندس الكهرباء، وبعضها يتطلب أنثى مثل: السكرتاريا وغيرها".
وحول تحديد جملة "يجدد العقد حسب رغبة البلدية" في بعض الإعلانات، وعن تجديد العقود أو تثبيتها، قال: "الأفضل أن يكتب يجدد حسب كفاءة الموظف وليس رغبة البلدية، أما تجديد العقود وتثبيتها فَيعود لقرار المجلس البلدي أو القروي!".
وبيّن وزير الحكم المحلي مجدي الصالح في مقابلة سابقًا أنّ إجمالي عدد موظفي الرقابة داخل الوزارة يبلغ (30) موظفًا للرقابة على أداء (450) هيئة محلية، وهو عدد غير كافٍ لكن يتناسب مع الإمكانيات المتاحة على حدّ قوله.
"في زاوية من ركن صغير في إحدى البلدات، يجلس شاب في مقتبل عمره، لم يجد شاغرًا للعمل في تخصصه الهندسة، فَوجد في "كشك" صغير له، دخلًا يقضي حاجياته الأساسية، لعلّ يومًا يفرح بوظيفة ينافس مع غيره من مبدأ الكفاءة وليس التعيين ضمن المحسوبية والواسطة!
وحسب بيانات هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية، تندرج الهيئات المحلية في المرتبة الثانية في أعلى عدد من البلاغات والشكاوي بعد القطاع العام؛ لِتُسجل (258) شكوى في عام 2019م، و(159) شكوى عام 2018م.
فيما قررت الحكومة الفلسطينية عقد انتخابات الهيئات المحلية -المرحلة الأولى في 11 ديسمبر 2021، والمرحلة الثانية في 26 آذار 2022م. ويبقى دور المواطن في انتخاب الكفاءة، والمسؤول عن إعطاء حق المنافسة للكل دون تعيين أحدهم لتحقيق مصلحة معينة، أو أن تكون الهيئة المحلية موزعة لتوظيف "الأقارب والعائلة"!
وعن مسؤولية الجهات المختصة، مِن الضرورة وجود بطاقة "الوصف الوظيفي" في الهيئات المحلية ومديريات الحكم المحلي، ونشرها إلكترونيًا حتى لا تستفرد الهيئات المحلية في التوظيف كما يحلو لها، إضافة إلى متابعة الشكاوي والوقوف على دورها في الرقابة والمتابعة.