الرئيسية / ثقافة وأدب
جماليات لغة الصورة في فلم " فرحة "
تاريخ النشر: الخميس 29/12/2022 18:52
جماليات لغة الصورة في فلم " فرحة "
جماليات لغة الصورة في فلم " فرحة "

جماليات لغة الصورة في فلم " فرحة "

كتبت يسرى وجيه
وصف الكاتب ميخائيل روم في كتابه أحاديث حول الإخراج السنيمائي " السنيما الصامتة" بالصامت العظيم، مسترجعاً أفلام العشرينيات التي تتسم بالصمت، الأسود والأبيض مؤكداً أنها وصلت إلى ذرا عليا من الكمال، فيوجد لهذا النوع من الأفلام إنجازات ساهمت في وضعها بمكان متميز من بين الفنون الأخرى، فغياب الكلمة يفرض على السينمائيين التفنّن في الاختراع وإيجاد التعبير التشكيلي الدقيق لأي فعل، إن الكلمة تسهل العمل، ولكنها أحياناً تحرِمُنا من قدرة التعبير السابقة.
مناسبة هذا الحديث هي تلك الطريقة التي قدمتها المخرجة دارين سلام لغة الصمت في فلم فرحة، فنحن تقريبا أمام فلم فيه حيّز قليل من الحوار، فقد اقتصر الفلم على الحوار في بدايته، وبعدها وظفت المخرجة الصورة، والإضاءة، والأصوات؛ لتجسد أحداث النكبة من دمار وظلم وتهجير .
فلم "فرحة" يروي قصة حقيقية لفتاة عايشت أحداث نكبة 1948، في بداية الفلم تظهر فرحة كفتاة حالمة وعنيدة تحارب من أجل إكمال تعليمها في المدينة إلى أن يلين قلب أبيها مختار القرية، ويقوم بتسجيلها في مدرسة المدينة مع محاولاته العبثية بتزويجها لابن عمها، وإقناعها بذلك .
في مشهد لفرحة مع صديقتها التي تبشرها بأنها ستكون معها في مدرسة المدينة، تتحول ملامحهما من سعادة إلى رعب بعد سماعهما صوت انفجار، تركض فرحة وفريدة نحو القرية لتلتقيا بأبي فريدة، فيأخذهما معه بسيارته محاولا الهرب من القرية بعائلته، لكن فرحة ترفض التخلي عن أبيها مترجلة عن السيارة لتجد أباها واقفا بين القصف والدمار فيعود بها للمنزل ويضعها في غرفة المونة واعداً إياها أنه سيعود حين انتهاء القتال، مودِعا إياها سلاحاً أبيض للدفاع عن نفسها أثناء غيابه ..ويُحْكِمُ إغلاق الباب عليها ..حماية لها.
نعيش مع فرحة أيامها الطوال في تلك الغرفة المظلمة التي لا ينفذ منها الضوء إلا من فتحة صغيرة ترى به القليل مما يجري حولها من فظائع وجرائم تصل إلى مسامعها ومسامع المتلقي ..يجري عليها ما جرى على البشر من جوع وعطش وتغيرات فسيولوجية لفتاة في عمرها ..إلى أن تشهد جريمة بشعة تحدث في باحة منزلها، لحظة إعدام عائلة أبي محمد الأبرياء دون ذنب يذكر ..وترك صغيرهم المولود حديثا في العراء حتى الموت.


وكون الفلم اعتمد لغة الصورة في سرد القصة، ونسبة قليلة من الحوار كان لا بّد من المخرجة أن توظف اللقطة السنيمائية بدلالتها عن طريق الزوايا، حركات الكاميرا وأحجام اللقطات، والإضاءة لتنقل فكرة الفلم للمشاهد، مستغلّة الإيحاءات التعبيرية؛ لتكوين المشهد السنيمائي، وبالحديث عن اللقطات نلاحظ كيف استغلت دارين اللقطة الذاتية في الفلم، إذْ تمتاز هذه اللقطة بأنها الحركة التي تقوم بتصوير المشهد وفق ما يشاهده الممثل، فإذا نظر الممثل من فتحة قفل الباب فإن الكاميرا تبين المشهد الموالي من خلال فتحة القفل نفسها، وإذا حرك الممثل رأسه يميناَ أو يساراً فإن الكاميرا ستقوم بتصوير هذه اللقطة، كأن المشاهد يلتفت إلى اليمين واليسار فهنا تمثل عدسة الكاميرا عين الممثل، وسميت ذاتية؛ لأن ذات المشاهد تمتزج مع ذات الممثل، فيشعر المشاهد بما يشعره الممثل، وهذا ينطبق على عدة مشاهد في فلم " فرحة "، منها المشهد الذي يأتي به الفدائيون عند والد فرحة " المختار" فيه تنظر فرحة من زاوية الباب شبه المغلق لتحاول أن تعرف ما يدور في داخل الغرفة، فتكون الكاميرا في مستوى نظر فرحة لتجعلنا نرى ما تراه، وفي مشهد آخر تتكرر هذه اللقطة عندما دخلت عائلة أبي محمد إلى منزلها حينها جلست فرحة على أرض الغرفة؛ لتختلس النظر من أسفل الباب فنرى مع فرحة مشهد ولادة أم محمد، وقدوم طفلها "محمد" فالمخرجة قامت بسرد هذا المشهد باستخدام الصورة بطريقة مميزة، فتوظيف اللقطة الذاتية جاء ليعبر عن وضع عائلة أبي محمد كعائلة فلسطينية هُجّرت من منزلها، لينتهي بهم المطاف في منزل فرحة بعد قدوم طلق الولادة عند الزوجة، وسرعان ما تتحول فرحة قدوم المولود الجديد إلى رعب وموت، تدخل قوات الاحتلال إلى المنزل و تبدأ التحقيق مع الزوج، حينها تتحرك فرحة وتغير موضع نظرها تارة من خلال نافذة صغيرة على حائط غرفة المونة، وتارة من شق الباب، تمكن المشهد توظيف السرد باستخدام الصورة، وجعلنا نشعر بشعور فرحة بهول منظر قتل العائلة أمام أعينها والرعب الذي وصل لنا بأن يشعر الجندي بوجودها بالداخل حينها سيكون مصيرها كمصير ضحايا النكبة، وكأننا في الحدث ذاته، ومن خلال الزاوية المرتفعة التي تُأخذ من أعلى الشخصية " بشكل عمودي " تبدو لنا فرحة متقلصة الحجم وهائمة في فضاء طبيعي شاسع لا يرحم، بين العدس المنثور على الأرض لتعبر عنها هذه الزاوية وتصف الوضع المأسوي والحزين التي هي فيه، وهنا يظهر لنا عنصر درامي مفاجئ داخل الديكور تعثر فيه فرحة على سلاح كان مخبأ داخل العدس، فتستخدمه لتفتح الباب وتخرج من الغرفة التي جلست بها أيام عديدة، وبعد الدمار الذي حل في القرية كان لا بد استغلال الزاوية المرتفعة مرة أخرى مع اللقطة الواسعة التي تلقب أحيانا " عين الطائر " لتظهر لنا منازل القرية التي هدمت ولم يبقَ منها إلا الحجارة، وفي المشهد الأخير في الفلم، تجلس فرحة على أرجوحتها وبجانبها أرجوحة صديقتها التي قُطعت أحبالها من الحرب، لتوحي إلى مصير " فريدة " المأساوي، تُؤخذ اللقطة بزاوية مرتفعة قليلا عن مستوى النظر، تحاول ترجمة حالة الهموم والبؤس والشقاء التي تتجلى من ملامح فرحة، وإحساسها بقلة الحيلة، وأخيراً تنهض فرحة عن الأرجوحة وتمشي معها الكاميرا إلى طريقها المجهول، وبالتطرق إلى استخدام اللقطات قامت المخرجة بتوظيف اللقطات الواسعة والمتوسطة ؛ لأهمية المكان وطغيانه على الموضوع الفلمي؛ كونه يتناول قصة تهجير قرية من منظور فتاة، احتاج الفلم لهذا النوع من اللقطات ليركز على فرحة أثناء تفاعلها مع المحيط من حولها سواء صديقتها، والدها أو أهل القرية والمكان، ولكن كان لا بد من توظيف اللقطة (القريبة المتوسطة) وميزتها أنها تسمح للمشاهد متابعة الجوّ المحيط مع التركيز على الوجه، لزمت هذه اللقطة عندما نزلت فرحة من سيارة والد صديقتها لتقف أمام والدها تركز الكاميرا عليها، ومن ثم تدخل القرية معها في الكادر، فلا يمكننا أن نتجاهل الذعر الذي حلّ في القرية ولا دموع فرحة " كونها البطلة " وهنا انتقلت سلام إلى إيقاع سريع ومتتابع بالكاميرا، عندما قرر والد فرحة الرجوع إلى المنزل وحمل البندقية وبدء القتال، وأجبر فرحة على الدخول للغرفة المظلمة مع سلاح أبيض، مشيرة للحدث السريع المتنامي، والتغيرات الفجائية التي حصلت في سرد الفلم، وأما بخصوص الإضاءة اعتمدت المخرجة عليها بشكل ملاحظ وجيد في الفلم، من أجل بلوغ التسلسل في الشريط النهائي للفلم، ففي بدايته كانت القرية تجوبها أجواء الفرح والأعراس، بالإضافة إلى آمال فرحة في التعليم الذي اقترب تحقيقها بعد أن قدم والدها أوراقها للدراسة في المدينة، كانت الإضاءة العامة العالية " الشمس "غالبة ببداية الفلم والتي تعكس حالة من التفاؤل والراحة في المشهد، سرعان ما تحول هذا النور إلى الظلمة حينا تم وضع فرحة في غرفة تكاد أن تكون الإضاءة فيها معدومة وسوداء، لتعطينا الشعور بعدم الراحة الذي شعرت به فرحة، بل وتأثير الرعب بها، فالغرفة المعتمة دلّت على المجهول الذي يدور حول فرحة مع أصوات القصف والدمار والرصاص وصرخات أهل القرية، ومجهولية مستقبلها وماذا حل بوالدها وصديقاتها وأهلها، وفي نهاية الفلم نرى الإضاءة كيف تحولت الى خافتة في النهار توحي الى الخريف التي وقعت به القرية وتهجر أهلها ولم يبقَ إلا الحجارة والدمار مع أمل ظهور ربيع جديد بعودة الفلسطينيين إلى بلادهم ومنازلهم التي ما زال الكثير منهم يحمل مفاتيحها.
في النهاية وجود الصورة لا يهدف فقط إلى المشاهدة فهي مقروءة بقدر ما هي مرئية، ورغم اختلاف المنظرين حول عد السينما لغة أو لا، إلا أنّ المخرجة استطاعت أن تتحدث مع المشاهد باستخدام عناصر التعبير السينمائي عن طريق الدور البصري في أحجام المناظر، والمؤثرات كالإضاءة والزوايا التي تكسبها لإغناء المعنى الدلالي للصورة، وبالعودة لميخائيل روم الذي أكد أن بعض المشاهد قد يكون الصمت فيها أبلغ من الكلام، وما طرأ من تغيرات على السنيما بتطورها في تقديم الواقع والتعبير عن مكنونات الإنسان ورغباته عن طريق جماليات الصورة واستغلالها، ربما كانت دارين موفقة من هذه الناحية ولكن لا بدّ أن نلتفت لإيقاع الفلم كون أن الفلم السنيمائي يتكّئ على مكوناته التي تكمل بعضها البعض، برأيي أن الفلم كان إيقاعه بطيء رغم اعتماد المخرجة على أسلوب السرد الصوري إلا أن الملل تسرب للمشاهد؛ بسبب عدم قدرتها على التحكم بالإيقاع ارتفاعا أو هبوطا وخاصة في الوقت التي قضت فيه فرحة أيامها في القبو.
تمكنت دارين سلام من استرجاع أحداث النكبة الأليمة، ومشاركة المشاهد بقصة حقيقية لفتاة تدعى رضية، فالنكبة لم ينتهِ أثرها على الفلسطينيين الذين لا يزالون بعد أكثر من سبعين عاما يحملون آلام التهجير.

 

 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017