الرئيسية / ثقافة وأدب
التطهير العرقي "مجزرة الطنطورة"
تاريخ النشر: الأثنين 08/01/2024 20:01
التطهير العرقي "مجزرة الطنطورة"
التطهير العرقي "مجزرة الطنطورة"


محي الدين صالح
فيلم "الطنطورة"، الذي يوثّق مجزرة القرية الفلسطينية عام 1948 على يد الاحتلال الإسرائيلي مخرجه وكاتبه وفريق عمله كلّهم إسرائيليون! و الذي وثّق المجزرة ضد الفلسطينيين وبمجرد صدوره، في يناير/كانون الثاني 2023، واجه فيلم الطنطورة الوثائقي ردّ فعلٍ عنيفاً على نطاقٍ إسرائيلي واسع. وهذا طبيعي عندما تعرف أن مخرجه إسرائيلي، وأن فكرة الفيلم مبنيّة على بحثٍ أكاديمي قدّمه إسرائيلي آخر.
أنشئت قرية الطنطورة على تلة مجاورة للبحر وهي قديمة وتغوص في تاريخها لتصل العهد الكنعاني أي 2500 ق.م ويعتقد أن قبيلة التجيكير الفلسطينية سكنوها حوالي 1200 ق.م وسميت دورا وشهدت عصورا عديدة كالعهد اليوناني والروماني والاسلامي و الفرنجي والعثماني وفي العهد البريطاني بلغ عدد سكانها عام 1923 750 نسمة وفي عام 1948 بلغ عددهم 1490 نسمة .ومساحة اراضيها 14520 وعدد منازلها 1931. واشتهرت القرية بصيد السمك والتجارة وزراعة الثمار والفواكه ونظرا لموقعها الساحلي كانت تعج بالحياة ولكنها واجهت خطر الاستيطان الصهيوني ودمرت في أيار 1948وعلى اراضيها أقيمت دور ونحشوليم . (الخالدي، 1998)
إذا كنت تمتلك القوة والمال دون الأخلاق تستطيع أن تزور الحقائق وأن تلغي حق الناس وأن تقتل البشر وأن تظلم وأن تسلب الأرض وتهجر الناس، وتقوم على صنع وثيقة تخفي كل هذا وتظهرك بالمستوى الأخلاقي المطلوب وتظهر سيرتك الحقوقية وتتباها بالانسانية والديمقراطية ومراعاة الكل، ويأتي فلم توثيقي يكشف زيف ما تُنظّر له وما تتبناه من مبادئ ويزيل القناع فيكشف الوجه الحقيقي لك، عندها تبذل الجهد الكبير لكي لا يرى هذا الفيلم النور أو هذه الرسالة التي توثق ما قمت به من ممارسات بشعه.
وعندما بدأ الطالب والباحث في الجامعة في عام 1998م تيدي كاتس بتوثيق هذه الأفعال التي ارتكبت عام 48، وكانت هذا الرسالة التي ستعتمد من جامعة حيفا للماستر وتكون دليلاً على شناعة وقذارة هذه الدولة والكيان الغصب تم رفضها ووأدها على الفور وخاصة أن تلك الحقبة الزمنية اشتهرت بالمناداة للسلم والسلام ومؤتمرات دولية ترعاها، وجوائز ل روؤساء الدول الذين وافقوا على المعاهدات السلمية وأشهرها جائزة نوبل، وأنه يوجد تعايش وسلام بين المحتل والشعب المحتل.
ولما تغيرت الظروف المحيطة بهذا الكيان المحتل وأصبحت مصلحة العالم عنده والسيطرة على القرار الدولي لصالحه وانعدام الاخلاق العالمية وتهميش حقوق الانسان بل ودثرها والكيل بمكيالين، جعل ارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني والابادة الجماعية ومسح قرى وأحياء وشوارع وابراج وتدميرها كلياً بمن فيها من أناس وارتكاب اكثر من 1200 مجرزة خلال ثلاثة شهور ورجوعا إلى الحروب السابقة التي دارت رحها في نفس الموقع من عام 2008 حتى اليوم، هو حق من حقوق الكيان المحتل للدفاع عن نفسه ولو حرق الأخضر واليابس ولو قتل 10000 آلاف طفل و9000 امراه تقريباً ولو دمّر 80% من قطاع غزة ولو استخدم الاسلحه الفتاكة المحرمة دولياً.
واذا كان الكيان المحتل الغاصب للأرض والحقوق الفاقد للأخلاق والشرعية الإنسانية فيها يمارس هذا الإجرام من منطلق عقيدة التوراة يوشع بن نون التي يذكر أنه يحق للشعب اليهودي المختار إبادة الأعداء ليحيى هذا في الأرض المقدسه وذكر في يوشع بن نون أنه دمر وحرق مدينة أريحا عن بكرة ابيها.
تقول التوارة أن أريحا كانت مدينة محصنة للغاية، وكان لها أسوار عالية سميكة. أمر الله يوشع أن يطوف جيشه حول أريحا لمدة سبعة أيام، حاملين التابوت المقدس. في اليوم السابع، أمر يوشع الناس بالصراخ، فسقطت أسوار المدينة، دخل جيش بني إسرائيل أريحا وقتل كل من فيها، باستثناء راحاب الزانية، التي كانت قد آوت جواسيس بني إسرائيل. دمر بني إسرائيل أريحا تمامًا، ولم يبق منها سوى أنقاض.
"يُنظر إلى سقوط أريحا على أنه علامة على إرادة الله وسلطته، وكونه مقدمة لغزو بني إسرائيل لبقية كنعان".
يصف سفر يشوع سقوط أريحا في الأصحاح السادس. تقول الآيات 20-21:
"في اليوم السابع، استيقظوا عند الفجر وطوفوا حول المدينة سبع مرات، مثل الأيام السابقة. فقط في هذا اليوم، طوفوا حولها سبع مرات.
وفي اليوم السابع، عندما كانوا في الصباح الباكر، بينما كان الشعب يصرخ، صاح الكهنة بصوتهم، ورفعوا الأبواق، فصرخ الشعب بصوت عال. فصارت أسوار المدينة في الحال على الأرض، وسقطت إلى أسفل، حتى نزل الناس إلى المدينة، كل واحد أمامه".
تُعد قصة سقوط أريحا واحدة من أكثر القصص شهرة في الكتاب المقدس. لقد تم تفسيرها على أنها رمز للنصر النهائي للخير على الشر، ورمز لانتصار الله على قوته.
يقوم فيلم "مجزرة الطنطورة" على ببنية فنية تعتمد على مجموعة من التقنيات السردية والتصويرية لخلق سرد مؤثر عن هذه المذبحة.


اعتمد بنية الفلم على أسلوب التوثيق حسب التاريخ الشفوي والذي يعد أداة ودراسة للأحداث الهامة والمعلومات التاريخية عن الأفراد والأسر، أو الحياة اليومية باستخدام التسجيلات الصوتية أو الفيديو وكذلك محاضر المقابلات. هذه المقابلات هي للناس الذين شاركوا في الأحداث الماضية أو شُهِدَ عليهم، هذه الذكريات والتصورات يجب الاحتفاظ بها من قبل مسجل الصوت من أجل أجيال المستقبل. لنقل وتوثيق اربعينات القرن الماضي كان التصوير الفوتوغرافي والفيديو صعب للغاية وكانت إمكانية توثيق تلك الأحداث اليومية والحصول على وثائق تثبت تلك الحياة شبه مستحيله لذلك لجئ المخرج لاستخدام التاريخ الشفوي.
يمكن أن يشمل التاريخ الشفوي مجموعة متنوعة من الموضوعات، من أحداث تاريخية كبرى، مثل الحروب والثورات والكوارث الطبيعية، والثقافة والمجتمع، مثل الفنون والموسيقى والأدب، والحياة اليومية للناس العاديين، مثل عاداتهم وتقاليدهم وتجاربهم، فالتاريخ الشفوي مصدرًا قيمًا للمعلومات التاريخية، حيث يمكن أن يقدم منظورًا فريدًا للأحداث من خلال عيون الأشخاص الذين عايشوها. ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن التاريخ الشفوي يمكن أن يكون عرضة للانحياز، حيث قد يتذكر الناس الأحداث بطريقة غير دقيقة أو متحيزة،أو ذكر جزء واخفاء جزء آخر، بسبب وقوع أحداث المجزرة في 48 ولعدم وجود الكاميرات لتوثيق الأحداث مثل اليوم، اعتمد أيضاً على المقابلات مع ذوي الإختصاص والمؤرخين الخبراء والأكادميين، وشهادة بعض الناجين من المجزرة وغالباَ ما كانوا صغاراَ آنذاك، صور أرشيفة لمكان المقابر الجماعية بعد المجزرة، وشهادات ومقابلات جنود لواء الاسكندروني الذين ارتكبوا المجزرة.
يُصنف فيلم "مجزرة الطنطورة" على أنه فيلم وثائقي تحقيقي، حيث يروي أحداث المجزرة التي وقعت في قرية الطنطورة الفلسطينية في عام 1948. يعتمد الفيلم على مجموعة متنوعة من المصادر، بما في ذلك المقابلات مع شهود العيان والضحايا، ولقطات الأرشيف. أي أنه قام بأجراء تحقيق جديد ليثبت ما هو مثبت بالرسالة الماجستير حين سحبوا الرسالة، واعتماد الفلم على أسلوب الفلم الوثائقي تحت مسمى رؤوس تتحدث وهو نوع من الأفلام يستخدم المقابلات بشكل كبير ويبتعد عن التوثيق باستخدام الصورة وهو نوع لا يفضله الكثير لاقترابه من الذاتية وبعده عن الموضوعية في نقل الحدث، إلا أنه كان مناسبا لفلم الطنطورة وذلك لاختفاء الحدث نفسه بالإضافة لكون الفلم يعيد التحقيق بقضية كبيرة ومهمه واستخدم شهادات أصحاب الفعل نفسه فهؤلاء هم من أدانوا أنفسهم
بالإضافة إلى تصنيفه كفيلم وثائقي تحقيقي، يمكن تصنيف فيلم "مجزرة الطنطورة" أيضًا على أنه فيلم وثائقي استقصائي، حيث يسعى الفيلم إلى كشف الحقيقة حول جريمة تاريخية. يتميز الفيلم بأسلوبه الاستقصائي الذي يعتمد على مجموعة متنوعة من المصادر، بما في ذلك المقابلات مع شهود العيان والضحايا، ولقطات الأرشيف، يُعد فيلم "مجزرة الطنطورة" إنجازًا فنيًا مهمًا في مجال الأفلام الوثائقية الاستقصائية. يتميز الفيلم بأسلوبه الاستقصائي الذي يسمح له بكشف الحقيقة حول جريمة تاريخية.

يتبع الفيلم السرد المتسلسل، حيث يروي الأحداث من البداية إلى النهاية في ترتيب زمني. يبدأ الفيلم بتقديم الشخصيات الرئيسية، ثم ينتقل إلى سرد الأحداث التي أدت إلى المجزرة. ثم يروي الفيلم تفاصيل المجزرة نفسها، وينتهي بتقديم نتائج المجزرة.
يستخدم الفيلم مجموعة متنوعة من التقنيات السردية منها السرد الموضوعي والسرد الراوي المشاهد وكذلك السرد المقيد لخلق سرد مؤثر. على سبيل المثال، يستخدم الفيلم المقابلات مع شهود العيان والضحايا في سرد وجهات نظر مختلفة للأحداث. كما يستخدم الفيلم لقطات الأرشيف لتوفير خلفية للأحداث.
تميز الفيلم باستخدام لقطات أرشيفية واقعية تعكس وحشية المجزرة. يستخدم الفيلم لقطات مقربة لوجه الضحايا لإظهار معاناتهم وكذلك لقطات من أسفل اليسار للشهود والمشاركين في المجزرة لنقل السادية التي تعاملوا بها، كما يستخدم الفيلم لقطات واسعة لتصوير الدمار الذي أحدثته المجزرة، يستخدم أيضًا مجموعة متنوعة من التقنيات التصويرية لخلق تأثير درامي. على سبيل المثال، يستخدم الفلم لقطات مجمعة لإنشاء إحساس بالحركة والسرعة. كما يستخدم الفيلم لقطات بطيئة الحركة لخلق إحساس بالواقعية.
لعبت الموسيقى دورًا مهمًا في خلق الجو العام للفلم. بستليط الضوء أكثر على معاناة تيدي كاتس ورسالته للماستر وأنه ضحية الصهيونية، وكذلك سرد الأحداث من قبل الشهود؛ جنود لواء الاسكندروني التابع للهجاناه الذين ارتكبوا المجزره، بطريقة استحقار واستصغار الموقف وانه لا يوجد مجزره، فقط كان قتالاً وقتل البعض منهم، وأيضاً شهادة البعض بقتل بدم بارد دون أي رأفة.تستخدم الموسيقى التصويرية للفلم نغمات حزينة ومليئة بالعواطف لعكس مشاعر الحزن والدمار التي تسيطر على الفلم.
يتميز فلم "مجزرة الطنطورة" بإخراجه المتقن الذي يجمع بين العناصر الفنية المختلفة لخلق فلم مؤثر. تمكن المخرج "ألون شفارتز" من خلق سرد متماسك في نقل بعض معناة الضحايا للمجزرة إلى الجمهور، وسلط
واخيراً.. لم يعُد هناك ضرورة لفلم وثائقي يثبت هذه المجزرة وإدانة هذا الكيان المحتل، وما نشاهده الآن على الفضائيات والقنوات الاخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي من مجازر وتدمير وقتل كل شيء حي في قطاع غزة، وانتهاك حقوق الانسان من قتل المدنيين والاطفال والنساء والمسنيين والأطباء والصحفيين والمسعفين والدفاع المدني حتى أن هذا الدمار طال المساجد والكنائس، فلم يسلم من هذا الاحتلال النازي البشر والشجر حتى الحجر.


 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017