الرئيسية / الأخبار / فلسطين
الطبيب سعيد معروف .. 45 يومًا من الاعتقال والتعذيب
تاريخ النشر: الأحد 03/03/2024 06:56
الطبيب سعيد معروف .. 45 يومًا من الاعتقال والتعذيب
الطبيب سعيد معروف .. 45 يومًا من الاعتقال والتعذيب

غزة - وكالة سند للأنباء
بمرارة يروي الطبيب الفلسطنيي سعيد عبد الرحمن معروف، 57 عاماً، تفاصيل عن ملابسات اعتقاله وتعذيبه من قوات الاحتلال الإسرائيلي، وعن ظروف عمله كطبيب خلال الحرب الدامية على قطاع غزة.

ويسكن معروف الطبيب في قسم الأطفال في مستشفى كمال عدوان في بلدة بيت لاهيا في شمال قطاع غزة، وهو متزوج وأب لخمسة أبناء، أربعة منهم أطفال.

بداية الحرب

إقرأ أيضاً
شهادة جديدة على التعذيب وإجبار أسيرات غزة على التعري
يقول: مع بداية الحرب وسماع أصوات إطلاق الصواريخ من الفصائل الفلسطينية، ورد قوات الاحتلال بقصف من الطائرات الحربية والقذائف المدفعية، توقعت أن يكون ذلك بدايةً لعدوان جديد وتصعيد كبير فقررت نقل زوجتي و4 من أطفالي للإقامة في بيت والد زوجتي في مدينة غزة، وبقيت أنا وابني ضياء نقيم في منزلنا في حي الأمل في بلدة بيت لاهيا، شمال القطاع، والتزمت بالذهاب إلى عملي في قسم الأطفال في مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا.

ويضيف - في شهادته التي نشرها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان-: مع تصاعد العدوان واشتداد وتيرة القصف واستهداف المنازل السكنية فوق رؤوس ساكنيها وارتقاء الشهداء والجرحى لم أعد قادراً أنا وابني ضياء على الإقامة في منزلنا فقررنا اللجوء إلى المستشفى بالإضافة لعملي فيها.


مشفى كمال عدوان .. حصار وقصف

وفي منتصف شهر نوفمبر 2023 تقريباً، وبعد حصار قوات الاحتلال لمستشفى كمال عدوان، تدهورت أوضاعها وانخفض عدد الطاقم الطبي بشكل كبير وساد الخوف والقلق في نفوس الطاقم الطبي والمرضى والجرحى ومرافقيهم، والنازحين، وأصبح الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية والطعام والماء غايةً في الصعوبة.

وأشار إلى أنه في ظل هذه الظروف وقبلها كان الطاقم الطبي في قسم الأطفال يعالج عددًا كبيرًا من الأطفال بعد إصابتهم بالتلوث، والنزلات المعوية والالتهاب الرئوي والحمى الشوكية بالرغم من النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.

وقال: كنت شاهداً على قصف قوات الاحتلال غرفة مبيت للأطفال المرضى داخل المستشفى واستشهاد أحدهم وإصابة والدته بجروح، وقصف ثانٍ استهدف بوابة المستشفى الغربية ودمر عدة سيارات، وقصف ثالث استهدف بوابة المستشفى الشمالية وأسفر عن استشهاد ما بين 4 إلى 6 مواطنين داخل سيارة، فضلاً عن الشظايا التي كانت تصيب أسطح مباني المستشفى.

إلى المستشفى المعمداني

في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر 2023 تقريباً، وبعد محاولات عدة من قبل قوات الاحتلال لإخلاء المستشفى وعن طريق إجراء تنسيق لا يعرف الطبيب معروف تفاصيله خرج، برفقة طبيب آخر و3 ممرضين وابنه ضياء من مستشفى كمال عدوان في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة في سيارة إسعاف كانت تقف على بعد حوالي 300 متر من المستشفى وتوجهوا إلى المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) في مدينة غزة.


وقال: فور وصولي إلى المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) وعلى مدار حوالي 3 أسابيع عالجت عدداً كبيراً من الأطفال الذين أصيبوا بأمراض النزلات المعوية وانسداد الأمعاء والالتهاب الرئوي والحمى الشوكية وأمراض الدم.

وأشار إلى أنهم في أحد الأيام استقبلوا حالة إنسانية معقدة للغاية حيث وصلت سيدة حامل في الشهر السابع ومصابة بعيار ناري في رأسها، حسب ما ذكر زوجها.

وأضاف: تم استدعائي مع طبيب النساء والولادة وطبيب المخ والأعصاب لقسم الاستقبال والطوارئ للتعامل مع المرأة المصابة. وكنا في حيرة وتردد في كيفية علاجها ثم اقترحت على زملائي الأطباء أن يقوم طبيب النساء والولادة بإجراء عملية قيصرية لإخراج الجنين، وكانت أنثى.

وتابع: لم يتمكن طبيب المخ والأعصاب من إنقاذ حياة المرأة، وتوفيت بسبب إصابتها البالغة. ثم أخذت المولودة إلي غرفة العمليات في إجراء مخالف لبرتوكول دخول غرف العمليات، حيث كانت تجرى عملية جراحة عظام لأحد المصابين، وقمت بذلك لتوفر أجهزة خاصة في غرفة العمليات مكنتني من التعامل مع المولودة والتي استقرت حالتها بعد حوالي ساعتين (أجهزة تنفس وشفط ونبض وغيرها). وبسبب عدم توفر قسم حضانة داخل المستشفى استلم زوج المرأة مولودته ذات السبعة أشهر وهي بحالة جيدة.

وأشار إلى أن المستشفى استقبلت حالات كثيرة لمصابين، وكان الأطباء يفاضلون أي الحالات يعالجون ويمكن أن تنجو وأي الحالات ميؤوس من شفائها أو يؤجل التعامل معها.

وقال: كانت مواقف إنسانية صعبة ومحبطة في نفس الوقت، حيث تواجد في المستشفى حوالي 200 مريض وجريح كانوا بحاجة لإجراء عمليات جراحية، ومعهم مرافقين وعدد من النازحين.

حصار واعتقال

مساء يوم الاثنين 18/12/2023، كان الطبيب معروف مع موعد مؤلم؛ إذ أثناء حصار قوات الاحتلال الإسرائيلي المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) في مدينة غزة، سمع جنود الاحتلال ينادون عبر مكبرات الصوت على المتواجدين من طواقم طبية ومرضى ونازحين داخل المستشفى بالخروج منها.

وقال: توجهت مع ابني ضياء وأحد الأطباء وآخرين من المتواجدين داخل المستشفى نحو البوابة الخارجية. وفور وصولنا أمرنا الجنود بخلع ملابسنا باستثناء الملابس الداخلية (البوكسر)، وقيدوا أيدينا خلف ظهورنا بقيود بلاستيكية وعصبوا أعيننا وألقوا بنا في الشاحنات المتوقفة أمام بوابة المستشفى وفي كل شاحنة حوالي 150 معتقلاً.

وأضاف: سارت بنا الشاحنات لمدة ساعة تقريباً وأنزلنا الجنود في مكان مجهول أرضيته غير مستوية وفيها حفر وحصمة. تم استجواب غالبية المعتقلين من محققي الجيش وتخلل ذلك اعتداءات بالضرب وسب وشتم، ثم نقلت مع معتقلين آخرين في شاحنة أخرى.

وتابع: في تلك اللحظة افترقت عن ابني ضياء، ومكثنا لوقت قصير في مكان مجهول، وتكرر ما حدث معنا من ضرب وشتم. ثم نقلت مع عدد من المعتقلين في عدة حافلات حتى وصلنا إلي معتقل غير معروف ومكانه مجهول بالنسبة لي، وسلموني بيجامة رمادية اللون ارتديتها لمدة 45 يوماً متواصلاً طوال فترة اعتقالي. وتعرف علي في هذا القسم من المعتقل شاويش القسم وهو طبيب فلسطيني معتقل، وأعطاني فرشة وحرام ووجبة عشاء صغيرة حيث كان الوقت متأخراً.

في هذا القسم (القسم الأول) من المعتقل والذي هو عبارة عن مكان محاط بالأسلاك الشائكة وله سقف وأرضيته من الأسفلت مكث الطبيب معروف حوالي 30 يوماً، اليوم الواحد يعادل سنة بسبب التعذيب الشديد و"التجويع"، وفق قوله.

وأضاف: كنت طوال الوقت مثل كل المعتقلين مقيد اليدين بقيود بلاستيكية للأمام وعصبة على عينيي وأجلس على ركبي على أرضية من الأسفلت من الساعة 05:00 صباحاً، وحتى الساعة 11:00 مساءً، ويتم عد المعتقلين (أسفراه) 4 مرات يومياً ( 06:00 صباحاً و 12:00 ظهراً، و 06:00 مساءً و 10:00 مساءً)، وكان البرد شديداً خاصةً في الليل والفرشة رقيقة وبطانية واحدة لا تكفي، والملابس أيضاً لا تقي من البرد.

التحقيق والتعذيب

وأكد أنه خلال الثلاثين يوماً خضع لجلسة تحقيق بعد 15 يوماً، ثم جلسة تحقيق كل أسبوع تخللها اعتداء بالضرب وشتائم.

وقال: خلال تواجدي في القسم الأول من السجن منعنا الجنود من التحدث مع بعضنا البعض ومنعونا الصلاة بالرغم من السماح لنا بالذهاب إلى دورة المياه.

وأضاف: في آخر جلسة تحقيق وقبل نقلي لقسم لآخر تم شبحي بالوقوف ورفع يديً للأعلى لعدة ساعات. وكما ذكرت فقد تعرضت كغيري من المعتقلين "للتجويع" طوال فترة الاعتقال حيث قدم لنا الجنود طعاماً قليلاً جداً في الوجبات الثلاث ولا تكفي أي معتقل، وكانت وجبة الفطور عبارة عن قطعتي خبز صغيرتين مع القليل من المربى وقطعة صغيرة من الخضار أو الفواكه، ووجبة الغداء عبارة عن قطعتي خبز صغيرتين مع القليل من التونة وقطعة صغيرة من الخضار أو الفواكه، ووجبة العشاء عبارة عن قطعتي خبز صغيرتين مع القليل من الجبنة (لبنة) وقطعة صغيرة من الخضار أو الفواكه.

في القسم الثاني من المعتقل الذي نقل إليه الطبيب معروف سمح له الجنود بالصلاة ولم يسمحوا بالوضوء على الرغم أنهم سمحوا باستخدام دورة المياه.

ويقدر عدد المعتقلين في القسم الأول والثاني بحوالي 100 معتقلاً في كل قسم. في القسم الثالث تواجدت مع حوالي 70 معتقلاً وسمح لنا الجنود بالوضوء وبالصلاة.

أما في القسم الرابع من المعتقل ومكث فيه حوالي 6 أيام فقد كانت أياماً قاسيةً للغاية وفق الطبيب معروف، الذي أشار إلى أن الجنود وضعوا قيودا حديدية في أقدام المعتقلين وأجلسوهم على ركبهم على أرضية من الحصمة دون السماح بالنوم أو الاستلقاء وتشغيل أصوات مرتفعة للغاية ومنعوهم من التحدث ولو بكلمات قليلة ومنعوهم من الوضوء ومن الصلاة.

وقال: طوال فترة الاعتقال لم يقدم جنود الاحتلال العلاج أو الخدمة الصحية للمرضى وكنت شاهداً على سقوط أحد الجرحى عدة مرات على الأرض. وفي إحدى المرات جازفت من احتمال تعرضي للعقاب وتوجهت نحوه بعد سقوطه وأخبرني أنه أصيب في كتفه في بداية العدوان وأجريت له عملية جراحية وتم تركيب شريحة معدنية (بلاتين) لتثبيت العظام في غزة ولكن بعد اعتقاله وتعرضه للتعذيب ساءت جراحه، ولم يكن يتلقى العلاج اللازم أو المناسب في المعتقل. وتحدثت مع طبيب المعتقل الذي وصل بعد فترة من الوقت بأنه يحتاج للعلاج وتم نقله من القسم إلى مكان مجهول ولم أعلم ماذا حدث معه بعد ذلك.

وأفرج عن الطبيب معروف في 1 فبراير بعد اعتقال دام 45 يوماً.

وقال: قبل الإفراج عني وخلال الأيام الأخيرة من الاعتقال ظهرت علىً ملامح التعب والاجهاد والنحول وظهر جلياً أن وزني قد نقص كثيراً، وبسبب حالتي الصحية هذه نقلت مع 5 معتقلين آخرين مرضى في سيارة إسعاف من المعتقل حتى معبر كرم أبو سالم في مدينة رفح، ورافق الإفراج عني مع المعتقلين الخمسة المرضى الإفراج عن حوالي 114 معتقلاً آخر أحدهم الطبيب الذي اعتقلت معه من المستشفى الأهلي العربي (المعمداني).

 

 

تابعونا على فيسبوك
تصميم وتطوير: ماسترويب 2017