المرأة الفلسطينية في مواجهة العنف وبناء السيادة التربوية
بيان الائتلاف التربوي الفلسطيني بمناسبة يوم المرأة العالمي
يأتي الثامن من آذار في السياق الفلسطيني بوصفه محطةً أخلاقيةً وسياسيةً لمساءلة عالم تتراجع فيه العدالة أمام منطق القوة. فمكانة المرأة لم تعد قضية تخص نصف المجتمع فحسب، بل معياراً حضارياً يُقاس به مدى رسوخ العدالة في بنيان المجتمعات وقدرتها على صون الكرامة الإنسانية. فكل مجتمع يعجز عن إنصاف النساء في المعرفة والمشاركة العامة يكشف عن خلل عميق في بنيانه القيمي والمعرفي.
في فلسطين، يكتسب سؤال العدالة الجندرية أبعاداً مركبة، تتقاطع مع واقع استعماري يعيد تشكيل الحياة اليومية تحت ضغط العنف البنيوي والاقتلاع وعدم الاستقرار. وفي ظل هذا الواقع تتحمل المرأة الفلسطينية كلفة إنسانية واجتماعية مضاعفة، تفاقمت بصورة مأساوية في ضوء العدوان الواسع على قطاع غزة وما خلّفه من دمار ونزوح قسري، إلى جانب تصاعد الانتهاكات في الضفة الغربية والقدس.
لقد دفعت النساء الفلسطينيات ثمناً باهظاً في الأرواح والأجساد ومساحات الأمان الاجتماعي. غير أن هذه المأساة، على قسوتها، لا تختزل الدور الذي تؤديه المرأة الفلسطينية في المجتمع؛ فهي ليست مجرد متلقية لآثار العنف، بل إحدى الركائز التي يستند إليها تماسك المجتمع واستمرارية الحياة فيه. ففي قلب الانكسار اليومي، تواصل النساء أداء أدوارهن الاجتماعية والمعرفية بوصفهن حاملاتٍ للذاكرة الجمعية وحارساتٍ للحياة اليومية في أكثر لحظاتها هشاشة. غير أنّ العدالة الجندرية لا تقتصر على تقدير الأدوار التي تؤديها النساء في المجتمع فحسب، بل تقوم أيضاً على الاعتراف الكامل بحقوقهن بوصفهن ذواتاً فاعلة في إنتاج المعرفة وصناعة القرار ورسم المستقبل.
ويبرز البعد التربوي في هذه التجربة بوصفه مفتاحاً لفهم قدرة المجتمع على الصمود. فالتربية ليست قطاعاً خدماتياً، بل فضاء تتشكل فيه البنية الأخلاقية والمعرفية للمجتمع، وتتبلور فيه تصورات الأجيال عن العدالة والكرامة والحرية، وقد كانت المرأة الفلسطينية عبر تاريخ طويل إحدى الركائز الأساسية فيه؛ معلمةً وباحثةً ومربيةً وصانعةً للوعي الاجتماعي.
إن استهداف قطاع التعليم في فلسطين، وخصوصاً في غزة، يتجاوز مجرد تدمير المباني، ليصل إلى جوهر قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة وصون هويته وبناء مستقبله. فكل مدرسة أو جامعة تهدم ليست مجرد فضاء تعليمي، بل ساحة للصراع على السيادة المعرفية والوجود الجمعي، وليست خدمة يمكن تعويضها.
وفي هذا السياق، تواجه النساء والفتيات حرماناً مركباً من التعلم، إذ يتقاطع انهيار الفضاء التعليمي مساراتهن نحو الاستقلال والكرامة والمشاركة المجتمعية. وحين يصبح التعليم هدفاً للاستهداف الاستعماري، يتحول إلى أحد أشد أشكال العنف البنيوي، يمس قدرة المجتمع على تصور المستقبل وصناعته، ويجعل حرمان النساء من التعليم اختلالاً في العدالة التربوية والمعرفية يقوّض توازن المجتمع ويحدّ من طاقته على النهوض بعد كل دورة من العنف والدمار.
استناداً إلى هذا الواقع المركب، وإدراكاً للدور الحيوي للمرأة الفلسطينية في صون المجتمع وبناء المستقبل، يسلط الائتلاف التربوي الفلسطيني الضوء على الأولويات التالية:
1. صون حق النساء والفتيات في التعليم والمعرفة باعتباره الركيزة الأساسية للحفاظ على سيادة المجتمع على هويته الثقافية وقدرته على إنتاج المعرفة وصياغة مستقبله.
2. تمكين المرأة الفلسطينية من المشاركة الكاملة في صناعة السياسات التربوية واتخاذ القرارات المجتمعية، بما يعزز دورها كشريك فاعل في البناء الاجتماعي والمعرفي.
3. إرساء العدالة التربوية والمعرفية وإزالة العوائق التي تحول دون وصول النساء والفتيات إلى الفرص التعليمية والثقافية، بما يضمن تمكينهن كحاملات للوعي والابتكار.
4. حماية الفضاءات التعليمية والمؤسسات الأكاديمية من العنف والتدمير، باعتبارها ساحات استراتيجية لإنتاج المعرفة والحفاظ على الذاكرة الجمعية وصون الهوية الوطنية.
5. تعزيز قدرة المجتمع على الصمود والإبداع من خلال تعزيز دور النساء كركيزة مركزية للحياة الاجتماعية والمعرفية والثقافية، وربط تمكينهن بإمكانات المجتمع على مواجهة الأزمات وصنع المستقبل.
وفي هذا السياق، يؤكد الائتلاف التربوي الفلسطيني التزامه بالمساهمة في تعزيز العدالة الجندرية في المجال التربوي، من خلال دعم المبادرات المجتمعية الداعمة لحق النساء والفتيات في التعليم، وتطوير فضاءات للحوار التربوي والسياسي حول قضايا العدالة الجندرية في التعليم، والعمل مع الشركاء التربويين والمجتمعيين على بلورة سياسات تعليمية أكثر عدالة وقدرة على حماية الحق في المعرفة في فلسطين.
وفي يوم المرأة العالمي، يحيّي الائتلاف النساء الفلسطينيات: المعلمات اللواتي أوقدن شعلة الحياة وسط الدمار، الطالبات اللواتي تمسكن بالنور رغم النزوح، والأمهات اللواتي حملن النار على أكتافهن، المرأة بمعناها الكامل، حارسة المجتمع والهوية والصمود.
المرأة الفلسطينية، حارسة النار وركيزة الصمود، حين تُصان حقوقها وتُحفظ كرامتها، يعود المجتمع إلى ذاته ويُستعاد المستقبل بوصفه أفقاً يضيء ما وراء الزمن.
الائتلاف التربوي الفلسطيني
8 آذار / يوم المرأة العالمي