سلفيت- معا- عهود الخفش- مع اقتراب موسم قطف الزيتون، يستقبل مزارعو محافظة سلفيت هذا العام موسمهم بقلق متزايد، في ظل الاعتداءات الاسرائيلية التي تطال الأشجار والأراضي الزراعية، والقيود التي تحول دون وصول عدد منهم إلى حقولهم والعناية بها، ما يهدد جزءا من محصولهم ومصدر دخلهم السنوي.
ويُعد الزيتون من أهم المحاصيل الزراعية في المحافظة، ليس لقيمته الاقتصادية فحسب، بل لارتباطه بحياة العائلات التي توارثت زراعته والعناية بأشجاره جيلاً بعد جيل. لكن الموسم الحالي يأتي محمّلًا بمخاوف من خسائر جديدة تضاف إلى ما تكبده المزارعون خلال السنوات الماضية.
ويروي المزارعون حكايات عن أشجار زرعوها واعتنوا بها لعقود، وعن مواسم كانت تجمع أفراد العائلة في الحقول، قبل أن تصبح تلك الأشجار اليوم مصدر قلق جراء ممارسات الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنيه، وسط خشية من فقدان ثمارها أو تضررها أو اقتلاعها.
ويقول المزارع خليل الطقطق، البالغ من العمر 78 عامًا، من سلفيت، إنه حُرم وعائلته من قطف ثمار زيتونهم منذ أربعة أعوام، بسبب عدم السماح لهم بدخول أراضيهم الواقعة خلف بوابة حديدية، ويوضح أن أرضه، البالغة مساحتها 42 دونمًا، تضم نحو 450 شجرة زيتون معمّرة، كانت تنتج سنويا ما بين 150 و170 تنكة من الزيت، وتشكل مصدر رزق أساسيًا لعائلته.
ويقول الطقطق: "ننتظر هذا الموسم على أحرّ من الجمر، لكننا اليوم لا نعرف إن كنا سنصل إلى أشجارنا أم سنخسر ثمار عام كامل".
وبالنسبة له، لا تقتصر المسألة على فقدان محصول، وإنما تمتد إلى دخل عائلي ينتظرونه عاما بعد عام.
الحاجة فاطمة 80 عاما تبكي من الحال الذي وصلت إليه، بعد أن حُرمت للعام الثاني على التوالي، برفقة عائلتها، من الوصول إلى أرضها في منطقة المطوي. تقول والدمعة تسبق كلماتها: «اعتنيت بأشجار الزيتون أكثر من اعتنائي بأبنائي، رافقتها عاما بعد عام، وتعبت عليها وسقيتها ورعيتها، واليوم أُحرم منها. في الموسم الجيد، كنا ننتج ما يقارب 40 تنكة من الزيت، أما اليوم فلا ننتج سوى 10 تنكات، بسبب عدم قدرتنا على الوصول إلى الأرض نتيجة اعتداءات المستوطنين المقيمين في البؤرة». وبينما تحاول حبس دموعها، لتضيف بألم "خسارتي ليست موسما من الزيتون فحسب، بل انتزاع سنوات من التعب والذكريات ورزقٌ انتظرته طوال العام".
وفي واد الشاعر، تلقى المواطن نشأت اشتية ضربة أخرى لموسمه، بعدما قطع المستوطنون نحو 40 شجرة زيتون معمّرة يملكها، ويقول بحسرة والم إن هذه الأشجار كانت جزءا من مصدر إنتاج أسرته، وإن فقدانها يعني خسارة أشجار احتاجت سنوات طويلة حتى تصل إلى مرحلة الإنتاج، ولا يمكن تعويضها في موسم أو عام واحد.
وبحسب مدير عام زراعة سلفيت، المهندس إبراهيم الحمد، فإن المزارعين يواجهون صعوبات في الوصول إلى أراضيهم حتى خلال الفترة التي تسبق القطاف، التي تتطلب تهيئة الحقول وتنظيفها وتنفيذ الأعمال الزراعية اللازمة.
وأشار الحمد إلى أن انتشار المستوطنات والبؤر الاستيطانية في مختلف مناطق المحافظة يزيد من تعقيدات المشهد، موضحًا أن هناك 14 بؤرة استيطانية و24 مستوطنة مقامة على أراضي المواطنين في سلفيت.
وأوضح أن التوقعات تشير إلى إنتاج نحو 2400 طن من زيت الزيتون في محافظة سلفيت هذا العام، في حال تمكّن المزارعون من الوصول إلى جميع أشجار الزيتون وقطف كامل المحصول، ما يجعل أي قيود تحول دون الوصول إلى الأراضي تهديدًا مباشرًا لكمية الإنتاج والعائد الاقتصادي للمزارعين.
ولا تتوقف تداعيات ذلك عند خسارة محصول الموسم، إذ أشار الحمد إلى اقتلاع أكثر من 5 آلاف شجرة زيتون معمّرة في مناطق مختلفة من المحافظة منذ بداية العام، في خسارة تضرب أصل الثروة الزراعية قبل أن تصل ثمارها إلى الأسواق أو موائد العائلات.
وتكتسب الأشجار المعمّرة في محافظة سلفيت قيمة تتجاوز إنتاجها السنوي، فهي تحتاج إلى عقود حتى تصل إلى مرحلة العطاء، ولذلك فإن اقتلاعها يعني فقدان مورد زراعي لسنوات قادمة، فضلًا عن الأعباء الاقتصادية التي تتحملها الأسر التي تعتمد على الزيت والزيتون في معيشتها.