تحل الإثنين، 2 تشرين الثاني/ نوفمبر، الذكرى 109 لصدور وعد بلفور، حين وجه وزير الخارجية البريطاني آنذاك، آرثر بلفور، رسالة إلى اللورد ليونيل روتشيلد، أحد أبرز زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا، تعهد فيها باسم حكومته بإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين"، في رسالة لم تتجاوز 67 كلمة، لكنها شكلت منعطفا مفصليا في تاريخ القضية الفلسطينية.
وتجاهلت الرسالة وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية والسياسية في أرضه، واكتفت بالإشارة إليه بعبارة "الطوائف غير اليهودية"، من دون الاعتراف به شعبًا له حق أصيل في تقرير مصيره.
وبذلك، لم يكن الوعد مجرد موقف سياسي عابر، بل إعلانا رسميا عن تبني المشروع الصهيوني في فلسطين، وفتح الباب أمام تحولات سياسية وديموغرافية امتدت آثارها لعقود.
تواطؤ استعماري ومشروع صهيوني
جاء وعد بلفور بعد مفاوضات مكثفة استمرت نحو ثلاث سنوات بين الحكومة البريطانية والمنظمة الصهيونية العالمية، التي عملت على تقديم مشروعها باعتباره أداة لحماية المصالح الاستراتيجية لبريطانيا في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تحول التعهد إلى تقاطع بين المصالح الاستعمارية البريطانية وأهداف الحركة الصهيونية، فيما غيب الشعب الفلسطيني عن أي نقاش يتعلق بمستقبل أرضه.
ولم يقتصر التأييد على بريطانيا؛ إذ حظيت مسودة الوعد بموافقة مسبقة من الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، قبل أن تعلن فرنسا وإيطاليا واليابان تأييدها الرسمي له بين عامي 1918 و1919، بما عزز الطابع الدولي للمشروع.
وتكرس هذا المسار عام 1920، عندما قرر المجلس الأعلى للحلفاء في مؤتمر سان ريمو منح بريطانيا صك الانتداب على فلسطين، متضمنا التزاما بتنفيذ وعد بلفور.
وأقرت عصبة الأمم صك الانتداب رسميا عام 1922، قبل دخوله حيز التنفيذ في أيلول/ سبتمبر 1923.
من التعهد السياسي إلى فرض الوقائع على الأرض
مع تسلم بريطانيا إدارة فلسطين بموجب الانتداب، بدأت ترجمة الوعد إلى إجراءات ميدانية، من خلال تسهيل الهجرة اليهودية الاستيطانية، وتوفير الظروف السياسية والأمنية التي ساعدت الحركة الصهيونية على توسيع نفوذها وتنظيم وجودها على الأرض.
وأمام الرفض العربي والفلسطيني، حاولت لندن احتواء الغضب عبر رسائل تطمينية، من بينها رسالة نقلها الكولونيل باست إلى الشريف حسين، تعهّدت فيها بعدم السماح بإجراءات تضر بالمصالح الاقتصادية والسياسية للسكان الأصليين.
لكن هذه التعهدات لم تنعكس على السياسات البريطانية في فلسطين؛ إذ تشير الوقائع الواردة في الروايات التاريخية إلى أن سلطات الانتداب سهلت تدفق المهاجرين اليهود من روسيا وأوروبا الشرقية، ووفرت لهم الحماية الأمنية، كما أخضعت إدارتها لتوجيهات اللجنة الصهيونية برئاسة حاييم وايزمان.
وبالنسبة إلى الحركة الصهيونية، مثل الوعد غطاء سياسيا وقانونيا للانتقال بمشروعها من مرحلة التنظير الأيديولوجي، التي تبلورت مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897، إلى مرحلة تثبيت الوجود الاستيطاني على الأرض، بهدف إقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين.
في المقابل، رفض الفلسطينيون هذا المشروع، وواجهوا سياسات الانتداب والهجرة والاستيطان بسلسلة من الاحتجاجات والثورات، كان أبرزها ثورة البراق عام 1929 والثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، في محاولة للتصدي للتغييرات التي كانت تُفرض على بلادهم ومستقبلهم.
النكبة.. النتيجة الأبرز لمسار وعد بلفور
بلغت تداعيات هذا المسار ذروتها مع نكبة عام 1948، التي أدت إلى تهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني قسرا من مدنهم وقراهم، وتدمير أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية، ومحو عدد كبير من أسمائها ومعالمها.
وهكذا، تحول التعهد البريطاني إلى أحد المرتكزات السياسية التي مهّدت لقيام إسرائيل على أنقاض المجتمع الفلسطيني، ولتحويل مئات آلاف الفلسطينيين إلى لاجئين في الشتات.
ولم تتوقف آثار الوعد عند حدود النكبة، بل استمرت في السياسات التي استهدفت الأرض والسكان، من خلال الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير، وصولا إلى واقع الاحتلال والضم المفروض على أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية.
الضفة الغربية والقدس.. توسع استيطاني وسيطرة على الأرض
بعد أكثر من قرن على صدور وعد بلفور، لا تزال تداعياته حاضرة في الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في الضفة الغربية والقدس، حيث تتواصل عمليات التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، بالتوازي مع إجراءات تعزز السيطرة الإسرائيلية الفعلية على مساحات متزايدة.
وتشير معطيات رسمية لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان لعام 2026 إلى ارتفاع عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس إلى نحو 780 ألفًا، بينهم 333,600 في القدس و446,400 في مختلف محافظات الضفة الغربية.
ويتوزع هؤلاء على 592 منشأة استيطانية، تشمل 192 مستوطنة رسمية و400 بؤرة استيطانية، من بينها 231 بؤرة رعوية وزراعية أُقيمت بهدف السيطرة على مساحات واسعة من المراعي والأراضي المفتوحة.
وتفيد المعطيات ذاتها بأن السيطرة الاستيطانية تمتد إلى نحو 42% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، فيما تطال 71% من الأراضي المصنفة ضمن المنطقة "ج"، ونحو 91% من مساحة الأغوار الفلسطينية.
وفي موازاة ذلك، تسارعت إجراءات التخطيط الاستيطاني خلال النصف الأول من عام 2026، مع دراسة وتمرير أكثر من 110 مخططات هيكلية لتوسيع المستوطنات، والموافقة على عشرات آلاف الوحدات السكنية الجديدة.
ويبرز في هذا السياق مشروع "E1" شرقي القدس، الذي يهدد بعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني وتقطيع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، إلى جانب شرعنة عشرات البؤر الاستيطانية وتحويلها إلى مستوطنات قائمة.
ولا تقتصر تداعيات التوسع الاستيطاني على مصادرة الأرض، إذ أدت اعتداءات المستوطنين، وفق المعطيات الواردة، إلى تهجير ما لا يقل عن 118 تجمعا سكنيا ورعويًا فلسطينيًا، بعد استهداف سكانها ومساكنهم ومصادر مياههم وموارد عيشهم.
غزة.. السيطرة العسكرية والتهجير والدمار
أما في قطاع غزة، فتتخذ تداعيات الحرب والسيطرة العسكرية أبعادا أكثر قسوة، مع امتداد السيطرة الإسرائيلية المباشرة، وفق المعطيات الواردة، إلى أكثر من 70% من مساحة القطاع، أي نحو 255 كيلومترا مربعا من أصل 365 كيلومترا مربعا.
وترافقت هذه السيطرة مع تحريك ما يعرف بـ"الخط الأصفر" باتجاه الغرب، بما أدى إلى توسيع المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية لتشمل مزيدًا من الأحياء السكنية ومراكز الإيواء، وتقليص المساحات المتاحة لسكان القطاع.
كما انعكست الحرب على التركيبة السكانية، مع تراجع عدد السكان بأكثر من 10% من أصل نحو 2.1 مليون نسمة، نتيجة القتل والفقد والنزوح والهجرة القسرية، فيما لا يزال مئات الآلاف من النازحين يعيشون في خيام ومراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وعلى صعيد البنية التحتية، طال الدمار، بحسب المعطيات، نحو 90% من المنشآت والمرافق في مختلف القطاعات، ما أدى إلى خروج غالبية المستشفيات عن الخدمة كليًا أو جزئيًا، وتضرر نحو 95% من المدارس والمؤسسات التعليمية.
ونتيجة لذلك، حرم أكثر من 200 ألف طفل من حقهم في التعليم المنتظم، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية مع استمرار النزوح وتراجع الخدمات الأساسية.
وعد مستمر في نتائجه
وبين رسالة بلفور عام 1917 وواقع الفلسطينيين اليوم، يمتد مسار طويل من السياسات التي أعادت تشكيل الأرض والسكان، بدءًا من إضفاء غطاء دولي على المشروع الصهيوني، مرورا بالانتداب والهجرة الاستيطانية والنكبة، وصولًا إلى التوسع الاستيطاني والتهجير والدمار في الأراضي الفلسطينية.
وبعد أكثر من مئة عام، لا تزال القضية التي تجاهلتها رسالة بلفور حاضرة في حياة الفلسطينيين: حقهم في أرضهم، ورفض اقتلاعهم منها، وتمسكهم بحقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.