قراءة حول جزئية التعليم في تقرير التنمية البشرية للبنك الدولي
تاريخ النشر: الخميس 07/03/2019 10:16
قراءة حول جزئية التعليم في تقرير التنمية البشرية للبنك الدولي
قراءة حول جزئية التعليم في تقرير التنمية البشرية للبنك الدولي

بقلم: د. بصري صالح

وكيل وزارة التربية والتعليم العالي

 

من اللافت للانتباه الاهتمام المتزايد بنتائج تقرير البنك الدولي حول التنمية البشرية للعام (2018 )، والذي تضمن مؤشرات خاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومن ضمنها فلسطين، ومن اللافت أيضاً محاولة البعض إصدار الأحكام على نظام التعليم الفلسطيني استناداً إلى ما قدمه التقرير من استنتاجات حول جزئية التعليم.

وبمراجعة معمقة لهذه الجزئية، ولمنهجية التحليل المستخدمة فيه، ولنتائجه، فإن المتفحص للبيانات الخاصة بفلسطين سيجد اجتهادات مغلوطة تتصل؛ باعتبار مرحلة التعليم ما قبل المدرسة ( 4-5) سنوات جزءاً من السلم التعليمي الرسمي وهي ليست كذلك، وهو ما تسعى الوزارة لتحقيقه في إطار استراتيجيتها القادمة، وسيرى المتفحص اعتماد التقرير على بيانات التحصيل في كل من الرياضيات والعلوم استناداً للدراسة الدولية ( TIMSS) التي أجريت في العام (2011) وما سبقها، والتي لا يمكن اعتمادها اليوم للتدليل على نوعية التعليم في فلسطين، وخصوصاً في ظل التطورات التي تمت في نظام التعليم في الأعوام القليلة الماضية، وقضايا أخرى بات من الضروري إيضاحها بالآتي:

1. إن التقرير المشار إليه لم يسلم للوزارة بشكل رسمي- كما يتداول البعض- ولم تناقش منهجيته أو البيانات المستخدمة فيه أو نتائجه، إذ إن التقرير غير متخصص بالتعليم إنما تضمن مؤشرات حول قضايا تربوية كمحور من محاور التنمية البشرية التي هي عنوان التقرير.

2. بعد تداول التقرير على نطاق واسع وتفحص المؤشرات الواردة فيه، يلاحظ أن التقرير استند في استنتاجاته حول نظم التعليم في المنطقة إلى "مؤشر رأس المال البشري" (HCI)، والذي يؤشر إلى مستوى الإنتاجية المستقبلية للأطفال الذين سيدخلون منظومة التعليم اليوم. وقد أشار التقرير إلى أن قيمة هذا المؤشر لفلسطين هي 55)%) في مقياس متدرج من صفر إلى مئة، وهذه القيمة أفضل من قيم العديد من الدول في المنطقة، وبالتحديد من لبنان، وتونس، والعراق، والمغرب، واليمن، وغيرها كما جاء في التقرير. كما يشير إلى تقدم هذا المؤشر لفلسطين بين عامي (2012( و(2017). علماً أن حساب هذا المؤشر لا يستند إلى بيانات تربوية فقط، بل إلى بيانات تربوية وأخرى صحية وتنموية عديدة، وأن هناك العديد من الملاحظات المتعلقة بمنهجية وبيانات احتساب هذا المؤشر لفلسطين بالتحديد، وليس أقلها إهمال الظروف الموضوعية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وتعمل فيها النظم التعليمية والصحية والتنموية مقارنة بمثيلاتها في المنطقة والعالم، ما يجعل عملية المقارنة غير موضوعية.

3. من الواضح اعتماد التقرير على بيانات الالتحاق في التعليم في فلسطين، باعتبار أن سنتي التعليم ما قبل المدرسة (مرحلة رياض الأطفال) هما جزء من السلم التعليمي الرسمي والإلزامي، حيث أشارت النتائج إلى أن متوسط عدد سنوات الدراسة المتوقعة لطفل يبدأ دراسته اليوم في الرابعة من عمره حتى يبلغ (18) سنة من العمر هي (11.4) سنة دراسية من ما مجموعه (14) سنة دراسية، وهو ما يؤدي إلى الاستنتاج بضياع أكثر من سنتين بالمعدل على الطالب، متناسين أن مرحلة رياض الأطفال في فلسطين لا زالت خارج نطاق نظام التعليم الرسمي الإلزامي، وجزء لا بأس به من الطلبة لا يلتحقون بهذه المرحلة. وبالتالي كان يجب النظر إلى هذا المؤشر باحتساب (11.4) سنة من أصل (12) سنة وليس (14 ) سنة، وعليه يصبح الفارق (0.6) سنة وهو فارق ليس كبيراً، ويؤشر إلى تقدم نظام التعليم الفلسطيني مقارنة بغيره.

4. اعتمد التقرير على مؤشر "درجات الاختبار الموحد" كمؤشر على نوعية التعليم، كما اعتمد على نتائج الدراسة الدولية للعلوم والرياضيات (TIMSS) لاحتساب هذا المؤشر، حيث إن فلسطين حققت (412) درجة على مقياس يمثل (625) مستوى التحصيل القوي و (300) مستوى التحصيل الأدنى. ومن المهم التذكير أن هذه القيم التي اعتمدت لفلسطين هي قيم تنتمي للعام (2011) وما قبله والذي كان هو العام الأخير لمشاركة طلبة فلسطين في الدراسة الدولية للعلوم والرياضيات (TIMSS)، ولم تشارك فلسطين بعدها بدراسات دولية أو إقليمية حول التحصيل، مع العلم أن التقرير قد استخدم بيانات حديثة لدول أخرى شملها التقرير في اختبارات دولية مثل ( TIMSS) و( PISA) وغيرها.

واستناداً إلى ما سبق، فإن الاستنتاج الذي خلص له التقرير للتدليل على "الإنتاجية المستقبلية لنظام التعليم الفلسطيني"، والذي يشير إلى وجود فجوة تعليمية مقدارها (3.9) سنة، هو استنتاج غير صحيح، كونه يستند إلى بيانات قديمة حول تحصيل طلبة الصف الثامن في الدراسة الدولية للعلوم الرياضيات، وبيانات أخرى غير دقيقة حول مؤشر سنوات الدراسة المتوقعة، وهما مؤشران أساسيان من بين خمسة مؤشرات اعتمدت في التقرير لحساب قيمة الانتاجية المستقبلة لنظام التعليم في إطار عملية احستاب رأس المال البشري، وهذه المؤشرات هي:

- احتمالية البقاء على قيد الحياة حتى سن 5 سنوات.

- عدد سنوات الدراسة المتوقعة.

- درجة الاختبارات الموحدة لمقياس جودة التعليم.

- معدل بقاء البالغين على قيد الحياة.

- نسبة الأطفال غير المصابين بالتقزم.

إن تسرع البعض في الحكم على نظام التعليم في فلسطين، لا بد أن يستند الى معلومات وبيانات تفصيلية وحديثة تتعلق بمجموع العمليات والمدخلات والمخرجات الخاصة به، ولا تتجاهل الظروف الموضوعية التي يعمل فيها هذا النظام، ولا تغفل التوجهات والبرامج التطويرية التي تعمل وزارة التربية والتعليم العالي على إنجازها بتفويض من الحكومة الفلسطينية وفي إطار ما قررته اللجنة الوطنية لاصلاح التعليم، والتي ترتبط بمستقبل فلسطين، وتسهم في تعزيز التنمية البشرية من جهة، والتحرر من الاحتلال والحفاظ على الهوية الوطنية من جهة أخرى، ومن بينها:

- إعادة صياغة طبيعة المهارات والمعارف والاتجاهات التي يمتلكها الطلبة الفلسطينيون من خلال تطوير مناهج عصرية تركز على النشاط، وتحاكي مهارات القرن الحادي والعشرين كالتفكير الناقد، وحل المشكلات، ومهارات الاتصال وغيرها. وقد أكدت العديد من الدراسات والتقييمات التي أجريت على المناهج الفلسطينية الجديدة مؤخراً أن المناهج الجديدة تسير حقيقة في هذا الاتجاه.

- تطوير نظام التقويم التربوي من التقويم التقليدي إلى التقويم الحقيقي المعتمد على آليات جديدة تنفذها الوزارة لتعزيز الحكم على أداء الطلبة، بناء على آليات تقويم تركز على المهارات الأدائية وعلى التعلم العميق، وتؤكد على بناء التوجهات الإيجابية لدى الطلبة نحو المجتمع والعلم، وتعزز القيم الإيجابية والعمل الجماعي، وتشجع على استخدام المعارف لحل المشكلات التي يواجها الطالب في حياته اليومية.

- إعادة صياغة منظومة التعليم المهني والتقني بشكل شامل، بهدف تعزيز ربط التعليم باحتياجات المجتمع والسوق، وتوفير الفرصة للطلبة للانخراط المبكر في سوق العمل، وهذا يتضمن محاور عدة منها:

· دمج التعليم المهني والتقني بالتعليم العام للصفوف 7-9 من خلال تعريض الطلبة إلى مجموعة من حرف / مهن موجودة في المجتمع ليتعرف الطالب عليها، ويكتسب بعض المهارات الخاصة بها لتفيده في حياته خارج المدرسة وتشجعه على الالتحاق بالمسار المهني في التعليم لاحقاً.

· تعدد مسارات التعليم في الصف العاشر، الذي أصبح ضمن المرحلة الثانوية مع بقائه ضمن الإلزامية التعليمية، إذ غدا الصف العاشر يتضمن المسارين المهني والأكاديمي مع إعطاء مرونة للطالب للانتقال من مسار الى آخر.

· افتتاح برامج مهنية جديدة تواكب التطور العالمي، وترتبط باحتياجات سوق العمل خاصة بالنسبة للإناث.

· فتح المجال أمام خريجي التعليم المهني للالتحاق بالعديد من الاختصاصات الجامعية التي لم يكن مسموحاً الالتحاق بها.

- تعزيز نوعية التعليم العالي لا فقط من خلال تكثيف العمل لإعادة صياغة آلية اعتماد مؤسسات التعليم العالي وبرامجه بما يحقق مزيداً من التطور في رأس المال البشري، وإنما أيضاً من خلال التركيز على ضبط الجودة، والبدء في تصنيف الجامعات والبرامج استناداً إلى مؤشرات وطنية منسجمة وأفضل المعايير الدولية.

- تعزيز الحاكمية في النظام التربوي من خلال إقرار أول قانون للتربية والتعليم للعام (2017)، وثاني قانون التعليم العالي للعام (2018) بالإضافة إلى تطوير واستحداث أكثر من (16) نظاماً تربوياً جديداً، وتحديث التعليمات التربوية بما يخدم توجهات التطوير التربوي، وينسجم مع أفضل الممارسات على المستويين الإقليمي والدولي.

- تشجيع البحث العلمي من خلال رصد الموازنات وربط المساعدة للجامعات بعدد الأبحاث التي تقوم بها ونوعيتها، وإنشاء وقفية التعليم العالي لتخصص في معظمها لتشجيع البحث العلمي.

- تعزيز الإبداع والتميز، وتطوير مواهب وقدرات الطلبة من خلال اعتماد النشاط الحر، والأندية الصيفية، والمسابقات المجالات التكنولوجية والثقافية والعلمية والأدبية والرياضية كافة، واستحداث جائزتي الرئيس محمود عباس وصندوق الابداع والتميز، ومسابقة الطالب الجامعي الباحث وغيرها.

- التأسيس لمدارس التعلم الذكي استناداً إلى الممارسات التربوية الفضلى التي قام بها المديرون والمعلمون الفلسطينيون في مجالات التعليم والتقويم.

في سياق متصل؛ تجدر الإشارة إلى التقرير السنوي للمتابعة والتقييم الذي تصدره الوزارة والمتضمن عديد المؤشرات التي لا تقف عند حدود رصد جوانب ترتبط بالتحصيل، فالتقرير يغطي مجالات التفكير الناقد، والمهارات الحياتية، والاتجاهات المرتبطة بالتعليم المهني والتقني ومستوى التقدم في كل منها؛ ما جعله موضع تقدير خبراء تربويين من أوروبا واليونسكو ممن أشادوا غير ذي مرة بمهنية التقرير وموضوعيته، وللعلم فإن الوزارة تحرص على نشر التقرير وتوزيعه بصورة دورية انتصاراً للشفافية وتعزيزاً للشراكة المجتمعية في تطوير التعليم، وبناءً عليه فإن الاجتزاء لم يقتصر على التقرير الخاص بالبنك الدولي بل شمل إغفال تقارير أخرى ما يؤكد أن تعاطي البعض مع التقارير بمنطق الانتقائية يتنافى وأبسط معايير الموضوعية.

وفي كل ما سبق، تأكيد على أن التعليم في فلسطين بات يشكل رافعة أساسية للتنمية البشرية، ومنصة للولوج إلى العالمية في إطار منافسة ندية مع باقي الأنظمة التربوية في المنطقة والعالم، وهو ما يسجل لعشرات الآلاف من العاملين فيه ممن سطروا ملحمة وفاء للوطن والقضية، وحملوا على عاتقهم حماية مسؤولية الوفاء لكل من سبقوهم في العطاء لفلسطين والأجيال القادمة.

وختاماً، لا بد من إعادة التأكيد على أن جملة الإصلاحات لنظام التعليم الفلسطيني وخصوصاً في الأعوام الأخيرة بدأت تؤتى ثمارها، من خلال مؤشرات واضحة شهد لها القاصي والداني ومن بين من شهدوا بذلك؛ مختصون تربويون في البنك الدولي - وهو ذات المؤسسة التي أصدرت التقرير- وذلك في مناسبتين خلال العام الماضي، إذ أشادوا فيهما بنظام التعليم الفلسطيني، واعتبروه "النظام التربوي الأكثر تطوراً ونمواً على مستوى المنطقة"، وهو ما ورد على لسان نائب رئيس البنك الدولي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حافظ غانم خلال زيارته الأخيرة لفلسطين، بالإضافة إلى ما أكده رئيس فريق التعليم في البنك خوان مانويل مورينو من أن "نظام التعليم في فلسطين قد وصل إلى درجة متميزة وأن نظام إعداد وتأهيل المعلمين الفلسطينيين يعد أنموذجاً يحتذى به في المنطقة".

 

 

تم طباعة هذا المقال من موقع أصداء (asdaapress.com)

© جميع الحقوق محفوظة

(طباعة)