سميحة لحلوح.. العجوز التي اكتشفت موهبتها في الرسم بعمر الثمانين
تاريخ النشر: الأثنين 13/01/2020 10:29
سميحة لحلوح.. العجوز التي اكتشفت موهبتها في الرسم بعمر الثمانين
سميحة لحلوح.. العجوز التي اكتشفت موهبتها في الرسم بعمر الثمانين

كتبت: تسنيم صعابنه

 

تستيقظ صباحاً في تمام الساعة الخامسة فجراً، وعلى نفحات النسيم العليل وتغاريد العصافير الجميلة ترسم ألوان الحياة والفرح في كراس رسمها الصغير إلى أن تشرق شمس يوم مفعم بالحيوية.

هكذا تقضي الحاجة سميحة لحلوح (أم سمير)، 87 عاماً، من بلدة عرابة جنوب جنين، وقتها في الرسم، تعلمت الفن بجهد ذاتي وهي في عمر (77 عاماً).

 

والأهم مما ترسم إحساسها الجميل بما تقوم به كل يوم من مداعبة الألوان ورسم ما يجول في خاطرها، وهذا يدل على أن الفن لغة الروح ولا علاقة له بالعمر.

حيث تمسك بيدها المرتجفة ألواناً خشبية وأخرى مائية، ترسم ذكرياتها وكل ما تشاهده عينها منذ 10 سنوات، ولا تملك «أم سمير» مرسماً خاصاً، بل تستخدم أقلاماً وألواناً بسيطة.

كما أنها تعتز كثيراً بلقب «الفنانة»، حيث تقول: «الكل في البلد يتحدثون عني: الفنانة أم سمير».

تغمس الحاجة لحلوح الريشة بيدها الواهنة المترهلة في خليط الألوان المائية والخشبية، وتسكب على ورقة بيضاء مشاهد عالقة في ذاكرتها البعيدة والقريبة.

وللسيدة لحلوح 23 حفيداً، منهم طلبة على المقاعد الجامعية وعلى مدى 6 سنوات خلت استطاعت رسم نحو 900 لوحة متنوعة تحتفظ بها.

ماذا ترسم؟
رسمت الفنانة «أم سمير» التي بدأت بالرسم قبل 10 سنوات فقط، «الحيوانات والشخصيات وأكواباً وزهوراً وبيوتاً وطيوراً، ولكل لوحة قصة خاصة».

 


الرسامة العجوز سميحة لحلوح
البداية
وتكمل: «كانت البداية مضحكة لكنها جميلة، كان يوم الاثنين، صباح جميل تقريباً كانت الساعة الثالثة عصراً وكنت أجلس في حديقة المنزل ، كنت صائمة وأنتظر موعد الإفطار، فجأة شعرت بأن داخلي مشاعر وتعبيرات بحاجة إلى أن تنفجر خارجاً، ولا شيء يفجرها سوى الرسم، طلبت من حفيدتي أن تجلب لي ورقة وقلماً وبدأت أرسم كل ما أشعر به».

بابتسامة تملأ وجهها تقول: «بعدما أنهيت من الرسم فوجئ الجميع بما رسمته، وتساءلوا بدهشة: هل هذا رسمك أنتِ».

مشيحة بوجهها نحو رسوماتها تقول: «أجبت على سؤالهم: نعم أنا من رسم هذه الرسومات، رأيت في منامي القائد أبوعمار كان قد طلب مني أن أرسمه، وأجبته بأن لا وقت لي، فقال إنه سيأخذني على فرنسا وإيطاليا، ومن هذا الوقت بدأت الرسم».

موهبة فطرية
أكدت أم سمير أن عائلتها لمست فيها الموهبة، فشجعوها ودعموها ولا يزالون على السير نفسه.

وتكمل حديثها وهي تنظر إلى بعض من رسوماتها التي رسمتها: «قصتي مع الرسم تغذيها الفطرية، أو نسميها ملكة أو موهبة، لا أنتمي إلى أي مدرسة أو معهد للرسم، لكن ما أشعر به هو انجذابي للطبيعة بشكل لافت».

التغلب على وقت الفراغ
وأضافت لحلوح: «أرسم لأتغلب على وقت الفراغ، أستمتع بذلك وأرسم كل شيء، أفرح لذلك ويفرح لي الناس».

قد لا يصدق الناظر إلى رسومات الحاجة لحلوح أنها رسومات مسنة على أعتاب التسعين من عمرها.


بحشرجة تملأ صوتها تقول: «هذه الرسمة صورة ولدي سمير الذي توفي، رسمته منذ عدة سنوات».

وتحتفظ لحلوح برسوماتها، وترفض أن تهدي أحداً أياً منها.

وتردف: «من يرد مني أن أرسم له لا أتردد، أما رسوماتي فلا أفرط في أي منها، هي خاصتي، لا أستطيع الاستغناء عن إحداها».

وتواصل الحاجة لحلوح موهبتها بالرسم والتي تنفض من خلالها غبار ووجع السنين، وترسم كل ما يخطر ببالها من قصص عن أبنائها وأحفادها وجيرانها وأقاربها.

كما تتسامر «أم سمير» الفلسطينية ليلاً مع أحفادها، وترسم لهم نشاطات مدرسية، وترسم لهم اللوحات الفنية والتعليمية.

الشعور بالملل
تقول الحاجة لحلوح: «في البداية كان يجتاحني شعور بالملل عندما أقضي أكثر من نصف ساعة في الرسمة، أما الآن فأجلس أكثر من 12 ساعة، أركّز في التفاصيل، علمت أن لا شيء هنالك منفصلاً فكل شيء مرتبط مع بعضه».

المُتعة
ترسم كلّما أمكنها ذلك، يوميّاً ولعدة ساعات. في هذا البذل الجسدي والعقلي غير المسبوق، كانت المتعةُ دائماً في الموعد، وكذلك ولَعُ الاكتشاف.

تؤكد الحاجة سميحة: «الرسم يشعرُني براحة كبيرة، بحياة جديدة، وبأنني فراشة صغيرة السن تحلق عالياً، ولديّ هدف أسعى لتحقيقه».

وتضيف: «أشاهد التلفاز أو أتبادل أطراف الحديث مع أحد، أقوم بقراءة آيات بينات من الذكر الحكيم، وأحدد في رأسي ماذا سأرسم».

طاقة
وتروي: «طاقة مجهولة كانت تندسّ في دواخلي فتنبَجِسُ من هذه الطاقة نوع من التعبير الجديدٍ أستغني فيه عن رفقتي القديمة، أي الكلمات والحوار. إنها يدي التي صارت تأخذ زمام الأمور، يحرّكها الجسد المتوتر كقوس».

وتنوي ابنتها الثلاثينية «كفاية لحلوح» الموظفة في سلك التربية والتعليم، تنظيم معرض صور لوالدتها، بسبب تطور موهبة والدتها «أم سمير» التي أصبحت ترسم على الجدران ولوحات كبيرة بجانب رسمها على الدفاتر، حيث زينت جدران منزلها الخارجية برسومات الأزهار.

وتقول كفاية ابنتها: «تبدو الرسومات التي ترسمها والدتي بسيطة ولكنها تعبر عن قصص وحكايا، وتحمل كل منها معنى جانب جسدته والدتي بيدها المرتجفة بعد أن بلغت هذا العمر».

تنظر كفاية لوالدتها وتبتسم قائلة: «تتلقى أمي منا الدعم الكامل، نشجعها ونحن فخورون بها».

وأضافت: ً»أيضا نحن لم نر والدتنا بهذه السعادة من قبل».

وتكمل: «في كثير من الأحيان أشاهد والدتي في الشوارع تقف بجانب بعض الصور والرسومات، وعند عودتها إلى المنزل تعيد رسم كل ما شاهدته على دفترها».

وترى كفاية أن والدتها وجدت ضالتها في الرسم، تجسّد من خلالها ذكرياتها وآمالها، والأهم أنها قتلت وقت الفراغ بأسلوب ممتع.

تقول الحاجة لحلوح: «الآن، وأنا أستشعر التعاطف السّمح من حولي، أستطيع أن أقول بضع كلمات عن تلك الرغبة التي تولّدت لديّ، وجعلتني أرسُم منذ عدة سنوات».

نوادر ومواقف
نوادر ومواقف تملأ ذاكرة لحلوح، مثلما يمتلئ وجهها بالتجاعيد، ولا شك أن مشاركة المسنين بهذه المواهب والهوايات تعود عليهم بحالة نفسية تجعلهم ينظرون إلى الحياة نظرة تفاؤلية، بعيدة عن الأرقام والعمر.

ذكريات
تنظر الحاجة أم سمير إلى إحدى رسوماتها التي رسمتها للقائد أبوعمار وتقول: «رسمت القائد أبوعمار أكثر من أربع مرات».

وتوصف اندهاش أحد الأشخاص برسمة قدمتها له للقائد أبوعمار بطلب منه، بعد مجيئه خصيصاً من قرية الجلمة لكي ترسمها له.

أيقنت الحاجة لحلوح أن الإنسان لو أراد أن يصل لشيء ولديه الرغبة والشغف والحماس لهذا الشيء فهو قادر على الوصول إليه ولا شيء يمنعه، حتى لو تجاوز الثمانين عاماً. 

 

 

#تسنيم_صعابنه

تم طباعة هذا المقال من موقع أصداء (asdaapress.com)

© جميع الحقوق محفوظة

(طباعة)