: حازم صلاحات
4 نوفمبر 2026
لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 مجرد منافسة انتخابية تقليدية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل حملت مؤشرات سياسية مهمة حول اتجاهات الرأي العام الأمريكي، ومستقبل العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، وانعكاسات ذلك على السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما تجاه الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية.
إن فوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وانتقال السيطرة على الكونغرس من الجمهوريين إلى الديمقراطيين، يمثل تطوراً سياسياً مهماً خلال الولاية الرئاسية لدونالد ترامب، ويضع الإدارة الأمريكية أمام مرحلة جديدة من التوازنات السياسية والمؤسسية.
أولاً: تقييد أجندة ترامب وإعادة تشكيل المشهد السياسي الأمريكي
إن سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي الكونغرس تعني أن الرئيس ترامب سيواجه واقعاً سياسياً مختلفاً خلال العامين المتبقيين من ولايته. فتمرير التشريعات والميزانيات والقرارات التي تحتاج إلى موافقة الكونغرس سيصبح أكثر ارتباطاً بالتفاوض والتوافق مع القيادة الديمقراطية.
كما ستتمكن اللجان البرلمانية من توسيع دورها الرقابي، وفتح ملفات تتعلق بأداء الإدارة الأمريكية وسياساتها الداخلية والخارجية.
ولا يعني ذلك فقدان الرئيس الأمريكي لصلاحياته التنفيذية، لكنه يعني أن قدرته على تنفيذ أجندته السياسية والتشريعية دون مواجهة مؤسسية ستصبح أكثر تعقيداً.
ثانياً: إسرائيل أمام واقع سياسي أمريكي أكثر تعقيداً
لعل أحد أبرز انعكاسات هذه النتائج يتمثل في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
فالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية لم تكن تاريخياً محصورة في موقف حزب سياسي واحد، بل استندت إلى تحالف استراتيجي وعسكري وسياسي حافظ على استمراريته عبر إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة.
ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة اتساعاً في النقاش داخل الحزب الديمقراطي حول طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل، وحدود هذا الدعم، ومسؤولية الولايات المتحدة عن ضمان احترام القانون الدولي وحماية المدنيين.
ومن المتوقع أن تتزايد أهمية هذه القضايا داخل الكونغرس الجديد، خصوصاً فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية، واستخدام الأسلحة الأمريكية، والرقابة على السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
لكن من الضروري عدم المبالغة في قراءة النتائج؛ فالأغلبية الديمقراطية لا تعني بالضرورة وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل أو حدوث تحول جذري وفوري في السياسة الأمريكية.
ثالثاً: القضية الفلسطينية وفرصة إعادة طرح الملفات المؤجلة
بالنسبة للفلسطينيين، فإن أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في تغير الأغلبية البرلمانية الأمريكية، وإنما في إمكانية توسيع مساحة النقاش السياسي حول قضايا ظلت لسنوات تواجه تحديات كبيرة في الوصول إلى مراكز صنع القرار الأمريكي.
هناك مجموعة من الملفات التي تستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة:
الاستيطان الإسرائيلي: زيادة الرقابة السياسية والبرلمانية على التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي الفلسطينية.
عنف المستوطنين: الدفع نحو إجراءات أكثر جدية لمحاسبة المتورطين في الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
المساعدات العسكرية: إعادة فتح النقاش حول شروط تقديم المساعدات الأمريكية لإسرائيل وآليات الرقابة على استخدامها.
غزة وإعادة الإعمار: تعزيز الاهتمام بالاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار وضمان حماية المدنيين.
حل الدولتين: إعادة الاعتبار للنقاش السياسي حول حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
إن هذه الملفات لا تعني أن التغيير أصبح أمراً محسوماً، لكنها توفر مساحة سياسية يمكن أن تستثمرها الدبلوماسية الفلسطينية والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني.
رابعاً: الضفة الغربية والأغوار الشمالية في قلب التحديات
لا يمكن الحديث عن مستقبل القضية الفلسطينية دون التوقف عند ما تواجهه الضفة الغربية، وخاصة المناطق المصنفة (ج)، والتجمعات السكانية في الأغوار الشمالية.
فالاستيطان، والقيود على الحركة، ومصادرة الأراضي، والاعتداءات على التجمعات الفلسطينية، ليست مجرد قضايا محلية، بل تمثل جزءاً أساسياً من مستقبل الحل السياسي للقضية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن أي تطور في الموقف الأمريكي تجاه الاستيطان وحماية المدنيين يجب أن ينعكس في زيادة الاهتمام بالواقع الميداني، وتوفير الحماية والدعم للمجتمعات الفلسطينية المتضررة، وتعزيز صمودها وقدرتها على الاستمرار.
إن المطلوب فلسطينياً هو الانتقال من الاكتفاء بمتابعة التغيرات السياسية الدولية إلى بناء خطاب مهني يستند إلى المعلومات الموثقة، ويعرض الاحتياجات الحقيقية للمجتمعات الفلسطينية، ويحول المعاناة اليومية إلى قضايا واضحة أمام المؤسسات الدولية ومراكز صنع القرار.
خامساً: هل نشهد تحولاً في السياسة الأمريكية خلال عامي 2027 و2028؟
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للمرحلة المقبلة:
• المسار الأول: استمرار السياسة الأمريكية التقليدية تجاه إسرائيل، مع زيادة الانتقادات والرقابة البرلمانية.
• المسار الثاني: توسع الضغوط السياسية والتشريعية، وظهور مطالب أكثر جدية بربط بعض أشكال الدعم الأمريكي بضمانات وشروط محددة.
• المسار الثالث: حدوث تحول أوسع في طبيعة النقاش الأمريكي حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بما يعيد طرح قضايا الاستيطان والحقوق الفلسطينية وحل الدولتين بصورة أكثر حضوراً.
وتبقى هذه مسارات تحليلية محتملة وليست نتائج مضمونة، إذ ستتأثر بطبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، وبالتطورات الميدانية في المنطقة، وبمواقف القوى السياسية الأمريكية المختلفة.
سادساً: ما المطلوب فلسطينياً؟
إن التحولات السياسية في الولايات المتحدة يجب أن تكون حافزاً لإعادة تقييم أدوات العمل الفلسطيني على المستوى الدولي.
نحن بحاجة إلى دبلوماسية أكثر فاعلية، وخطاب إعلامي مهني، ومؤسسات مجتمع مدني قادرة على بناء شراكات دولية، وتقديم معلومات موثقة حول احتياجات المجتمعات الفلسطينية وتحدياتها.
كما أن على المؤسسات الفلسطينية، بما فيها المؤسسات الشبابية والتنموية، أن تدرك أهمية دورها في إيصال صوت المجتمعات المحلية، وتعزيز مشاركة الشباب في الحوار الدولي، وتطوير مبادرات المناصرة المبنية على الأدلة والحقائق.
فالتغيرات السياسية في العالم لا تصنع وحدها فرصاً للشعوب، وإنما تحتاج إلى من يمتلك القدرة على فهمها والاستفادة منها وتحويلها إلى مسارات عمل حقيقية.
خاتمة:
إن فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس الأمريكي يمثل محطة سياسية تستحق الاهتمام والمتابعة، لكنه ليس تحولاً تلقائياً في الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية.
ومع ذلك، فإن اتساع النقاش داخل المؤسسات الأمريكية حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل، والمساعدات العسكرية، والاستيطان، والحقوق الفلسطينية، قد يفتح نافذة سياسية جديدة ينبغي عدم تجاهلها.
لقد أثبتت التجارب أن العلاقات الدولية لا تبقى ثابتة إلى الأبد، وأن موازين القوى تتغير، وأن فرص التأثير قد تظهر في لحظات لم تكن متوقعة.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا فلسطينياً ليس فقط: ماذا ستفعل الولايات المتحدة بعد هذه الانتخابات؟ بل: ماذا أعددنا نحن للاستفادة من أي فرصة سياسية جديدة؟
فالقضية الفلسطينية تحتاج إلى أكثر من انتظار التحولات الدولية؛ إنها تحتاج إلى رؤية وطنية واضحة، وعمل دبلوماسي ومؤسسي منظم، وخطاب قادر على مخاطبة العالم بلغة الحقوق والقانون والعدالة.